حكايات

” جسر الصداقة بين قطر والبحرين ” حلم الخليج المعلق بين الماء والزمن

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

بين ضفتي الخليج ، حيث تبدو المسافات قصيرة على الخريطة لكنها طويلة في حسابات السياسة والاقتصاد ، عاد مشروع الربط البحري المباشر بين ” قطر والبحرين ” ليظهر من جديد في دائرة الاهتمام ، ليس كجسر عابر فوق الماء بل كفكرة قديمة تتجدد كلما هدأت العواصف وعادت المنطقة للبحث عن معنى التقارب بعد سنوات من التباعد

أن المشروع المعروف باسم ” جسر الصداقة ” بين قطر والبحرين ، طرح للمرة الأولى عام 2008 كجزء من رؤية أوسع لتعزيز التكامل بين دول الخليج ، حيث تصور طموح لجسر يمتد نحو 40 كيلومترا فوق مياه الخليج ليكون من بين أطول الجسور البحرية في ” العالم” وبتكلفة تقديرية تصل إلى نحو 5 مليارات دولار ، وفي تصميمه لا يقتصر الدور على نقل المركبات فحسب بل يشمل مسارات للسكك الحديدية ضمن مشروع الربط الخليجي وبنية تحتية قادرة على دعم الحركة التجارية والسياحية بين البلدين ، فاليوم يحتاج التنقل البري بين قطر والبحرين إلى المرور عبر الأراضي ” السعودية ” في رحلة تستغرق ساعات ، لكن في حال تنفيذ المشروع ستنخفض مدة العبور إلى نحو 30 دقيقة فقط ، في نصف ساعة قد تختصر المسافة بين سوقين وميناءين وبين عائلتين وبين فرص اقتصادية ظلت مؤجلة لسنوات

ويرى مراقبون أن المشروع إذا تحقق قد يفتح آفاقا جديدة للاستثمار في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والعقار ، ويمنح حركة التجارة والسياحة دفعة نوعية ، غير أن الطريق إلى الجسر لم يكن مستقيما ، فبعد اتفاقات أولية وبدء مراحل التخطيط توقف المشروع بفعل التوترات السياسية التي شهدتها المنطقة ، ومع المصالحة الخليجية التي أُعلنت في ” العلا ” عام 2021 ، عاد الحديث عن إمكانية إحيائه ، لكن دون إعلان رسمي حتى الآن عن موعد التنفيذ ، فيما تشير تقارير إعلامية إلى اهتمام متجدد بإعادة دراسته ضمن خطط تطوير البنية التحتية الإقليمية

ان التحديات لا تزال قائمة ، من حيث الكلفة المالية المرتفعة والتعقيدات الهندسية المرتبطة بطبيعة قاع البحر والظروف البيئية ، والحاجة إلى جدوى اقتصادية واضحة في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي ، إضافة إلى متطلبات التنسيق الفني والاستثماري بين الجهات المعنية في البلدين ، جميعها عوامل تجعل المشروع رهينا ليس فقط بالإرادة السياسية بل بحسابات دقيقة تتجاوز الحماس الأولي ، وفي حال تنفيذه سيسهم الجسر في تعزيز الترابط الاقتصادي والاجتماعي ودعم شبكة النقل الإقليمية وتقليل زمن وتكلفة الشحن والتنقل ، بالاضافة لخلق فرص تنموية جديدة على جانبي الخليج ، وهو تحول سيعيد رسم خريطة الحركة داخل المنطقة ، كما فعلت مشاريع ربط سابقة غيرت أنماط التجارة والسفر والعلاقات اليومية

لكن السؤال الأعمق هنا لا يتعلق بطول الجسر أو تكلفته بل بطبيعة الزمن الذي تعيشه المشاريع الكبرى في المنطقة ، فبعض المشاريع تولد من الحاجة وبعضها من الطموح وبعضها من اللحظة السياسية ، وما لم تتحول الفكرة من شعار للتقارب إلى ضرورة اقتصادية لا غنى عنها فإنها تظل معلقة بين الرغبة والانتظار ، ففي الحقيقة الجسور لا تبنى فوق الماء فقط بل فوق الثقة والاستقرار واستمرارية القرار ، فإذا بقيت المصالحة ثابتة واستمر منطق التكامل الاقتصادي أقوى من تقلبات السياسة ، فإن المشروع قد يرى النور ويصبح جزءا من واقع جديد في الخليج ، أما إذا عادت الحسابات الضيقة لتتقدم على الرؤية المشتركة فقد ينضم جسر الصداقة إلى قائمة المشاريع التي بقيت جميلة على الورق وكبيرة في التصور لكنها تلاشت مع تغير الأولويات

لذلك يبقى مصير المشروع يشبه كثيرا فكرة الجسر نفسها: إما أن يكون ممرا حقيقيا نحو المستقبل ، أو أن يبقى مجرد وعد معلق بين ضفتين ، ينتظر زمنا أكثر ثباتا ليكتمل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى