“النائب يوقّع اسمه على إنجازات الدولة: كيف يتحول البرلمان من رقابة إلى دعاية؟”

النائب واللافتة: هل هذا هو دور البرلمان الحقيقي؟
كتب : بهاء النجريدي
أستاذ بحوث القانون والإعلام

في خضم مواسم الانتخابات، تعود ذات الوجوه والشعارات المكررة لتغزو الجدران والشاشات.
صور ضخمة، وعبارات براقة عن “خدمة الشعب” و”التغيير”، لكن ما إن تنتهي الحملات الانتخابية، حتى تتحول الصورة، النائب يصبح نجم الافتتاحات، يوقّع اسمه على مشاريع الدولة، بينما دوره الحقيقي كمشرّع ورقيب يتلاشى.
في هذا المقال، نستعرض هذه الظاهرة، أسبابها، وتأثيرها على الديمقراطية، مع نصائح لتصحيح المسار.

من التصويت إلى الدعاية: رحلة النائب
تبدأ الانتخابات بحماس المواطنين الذين يمنحون أصواتهم أملًا في تغيير الواقع.
لكن بعد إعلان النتائج، تتلاشى الوعود الانتخابية عن برامج تشريعية أو رقابية. يتحول النائب إلى “بطل الإنجازات”، ينسب لنفسه مشاريع حكومية مثل تعبيد الطرق أو افتتاح المدارس، والتي غالبًا ما تكون جزءًا من خطط الدولة الموضوعة مسبقًا.
هذا التحول يطرح تساؤلًا: هل النائب مشرّع أم وسيط دعاية؟
النائب المقاول: خلل في الدور البرلماني
النائب ليس مهندسًا ولا مدير مشاريع. دوره الأساسي هو التشريع والرقابة، حيث يمثل صوت المواطن في البرلمان.
لكن عندما يتحول إلى “مقاول” يلتقط الصور أمام المشاريع، يفقد البرلمان وظيفته كسلطة رقابية.
هذا الخلل يُفرّغ الديمقراطية من مضمونها، ويجعل المواطن يربط نجاح النائب بعدد اللافتات التي تحمل اسمه، وليس بجودة القوانين التي يساهم فيها.
الدولة تُنجز والنائب يستحوذ على الفضل
تعمل الدولة وفق خطط استراتيجية طويلة الأمد، تُنفذها مؤسساتها بميزانيات معتمدة.
لكن بمجرد افتتاح مشروع، يتسابق النواب لنسب الفضل إليهم عبر تصريحات مثل “بفضل جهودنا” أو “متابعتنا الحثيثة”.
الحقيقة أن هذه المشاريع ليست وليدة جهود فردية، بل نتاج عمل مؤسسي ممول من أموال الشعب.
هذا التزييف يمحو الحدود بين السلطات ويضعف مفهوم العمل الجماعي.
المواطن: الضحية الصامتة
المواطن هو الخاسر الأكبر. يمنح صوته ويدفع الضرائب، لكنه يجد النائب مشغولًا بالتصوير بدلًا من التشريع أو المساءلة. هذا يؤدي إلى تآكل الثقة بالبرلمان، ويزيد من عزوف الناخبين عن المشاركة السياسية، حيث يشعرون أن أصواتهم لا تترجم إلى تغيير حقيقي، بل إلى دعاية شخصية.
تأثير الظاهرة على الوعي الجمعي
مع تكرار هذه الممارسات، يتشوه الوعي الجمعي.
يبدأ الناس في الاعتقاد أن النائب هو من يبني الطرق ويشغّل المدارس، بينما دوره الحقيقي هو سن القوانين ومحاسبة الحكومة. هذا الفساد المفاهيمي أخطر من الفساد الإداري، لأنه يغيّر فهم المجتمع للديمقراطية ويذيب الفوارق بين السلطات.
الحلول: كيف نصحح المسار؟
عودة النائب لدوره الأصلي: يجب أن يركز النائب على التشريع والرقابة، ويفتخر بإنجازات مثل سن قانون عادل أو كشف خلل في مشروع.
دور الدولة: على الدولة إبراز العمل المؤسسي وتسليط الضوء على فرقها الفنية بدلًا من السماح للنواب بنسب الإنجازات.
دور الإعلام: يجب أن يوضح الإعلام الفروق بين السلطات، ويميّز بين من يخطط وينفذ ومن يراقب ويشرّع.
توعية المواطن: نشر الوعي حول الدور الحقيقي للنائب لتعزيز المشاركة السياسية الواعية.
الخاتمة
النائب ليس نجم افتتاحات، بل صوت الشعب في البرلمان. حين يتحول العمل النيابي إلى دعاية شخصية، تفقد الديمقراطية بريقها، ويصبح المواطن متفرجًا يدفع الثمن.
لن يتغير هذا الواقع إلا بعودة النائب إلى دوره الحقيقي، وبتعاون الدولة والإعلام والمواطن لاستعادة الثقة في العملية الديمقراطية.