سيري الجديد.. رهان «أبل» الأكبر في سباق الذكاء الاصطناعي رغم التأجيل والضغوط المتصاعدة

كتبت: نور عبدالقادر
رغم استعداد شركة «أبل» لما يُوصف بأنه أحد أكبر الإطلاقات في تاريخها، فإن الحدث الأبرز المنتظر خلال العام المقبل لن يكون جهازًا جديدًا، بل نسخة معاد تصميمها كليًا من المساعد الصوتي «سيري»، في خطوة قد تحدد مستقبل الشركة في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
وكانت «أبل» قد وعدت المستثمرين بإطلاق جيل جديد من «سيري» يوصف بأنه «الأكثر ذكاءً وشخصية»، بعد سنوات من الغياب النسبي عن المنافسة التي اشتعلت بقوة منذ إطلاق «شات جي بي تي» في أواخر 2022.
لكن المفارقة أن الشركة، المعروفة بتكتمها الشديد بشأن خططها، اضطرت هذه المرة إلى الاعتراف علنًا بتأجيل المشروع.
تأجيل غير متوقع رغم الترويج
وفقًا لتقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي» واطلعت عليه «العربية Business»، كان من المقرر إطلاق «سيري» الجديد في 2025، قبل أن تعلن «أبل» في مارس الماضي تأجيله إلى «العام المقبل»، رغم بدء الترويج الإعلاني لبعض مزاياه.
وجاء التأجيل في وقت تتزايد فيه التسريبات حول خطط الشركة البرمجية المستقبلية، بما في ذلك تحديثات أنظمة iOS لسنوات قادمة.
منافسة شرسة وضغط متزايد
في ظل تعود المستخدمين على تجارب محادثة طبيعية وسلسة مع نماذج مثل «شات جي بي تي» و«كلود» و«جيميني»، تتصاعد الضغوط على «أبل» للحاق بالمنافسين.
وأكد الرئيس التنفيذي تيم كوك أن العمل على «سيري» يحقق تقدمًا ملحوظًا، مشيرًا إلى أن سقف التوقعات ارتفع بشكل كبير.
وعلى الرغم من ارتفاع سهم «أبل» بنحو 12% منذ بداية 2025 بدعم من نجاح إطلاق «آيفون 17»، لا تزال الفجوة في الذكاء الاصطناعي واضحة مقارنة بـ«غوغل»، التي ارتفع سهمها بأكثر من 60% هذا العام بفضل نماذجها المتقدمة ورقائقها المتخصصة.
وادي السيليكون يسرّع الخطى
شهد عام 2025 موجة إطلاقات قوية في الذكاء الاصطناعي، حيث كشفت «OpenAI» عن نموذج «Sora 2» لتوليد الفيديو، ووسعت «أنثروبيك» عائلة «كلود»، وجددت «أمازون» مساعد «إليكسا»، بينما دفعت «مايكروسوفت» بمفهوم وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على العمل لساعات طويلة، وحتى «ميتا» أعادت ترتيب استراتيجيتها استعدادًا لنموذجها القادم.
في المقابل، اقتصر حضور «أبل» على حزمة «Apple Intelligence» التي كُشف عنها في 2024، والتي تضمنت أدوات لتوليد الصور، وإعادة كتابة النصوص، وتلخيص الإشعارات، مع دمج محدود لـ«شات جي بي تي».
ورغم الإشادة ببعض الميزات، واجهت الشركة انتقادات بسبب أخطاء في إعادة صياغة إشعارات الأخبار، ما دفعها لتعطيل الميزة مؤقتًا.
تغييرات إدارية ورسائل طمأنة
في خطوة تعكس حساسية الملف، أعادت «أبل» ترتيب قيادتها في مجال الذكاء الاصطناعي، معلنة تقاعد جون جياناندريا، رئيس استراتيجية الذكاء الاصطناعي، في 2026، مع توزيع صلاحياته بين عدد من كبار التنفيذيين، إلى جانب تعيين أمار سبرامانيا، أحد أبرز مهندسي «جيميني» سابقًا.
ويرى مراقبون أن الإعلان العلني عن هذا التعيين يهدف إلى طمأنة المستثمرين بشأن جدية الشركة في إعادة ضبط مسارها.
نهج محافظ ورهانات مفتوحة
بعكس منافسيها الذين أنفقوا نحو 380 مليار دولار على مراكز البيانات ورقائق «إنفيديا»، تواصل «أبل» نهجها المحافظ، معتمدة على رقائق من تصميمها الخاص لأسباب تتعلق بالخصوصية.
ولا يزال السؤال مطروحًا حول مدى اعتماد «سيري» الجديد على شركاء خارجيين، خاصة أن النسخة الحالية تحيل الاستفسارات المعقدة إلى «شات جي بي تي»، مع تلميحات سابقة إلى إمكانية دمج نماذج أخرى مثل «جيميني».
ورغم إبداء تيم كوك انفتاحًا على صفقات استحواذ كبيرة، فإن التقييمات المرتفعة لشركات الذكاء الاصطناعي تجعل هذا الخيار صعبًا، خاصة مقارنة بأكبر صفقة في تاريخ «أبل» بشراء «Beats» مقابل 3 مليارات دولار.
نافذة زمنية حاسمة
حتى الآن، لم تؤثر محدودية قدرات الذكاء الاصطناعي على مبيعات «آيفون»، مع توقعات بنمو قوي في الإيرادات واستمرار هيمنة الشركة على سوق الهواتف الذكية.
لكن داخل أروقة «أبل»، يدرك التنفيذيون أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد رسم مستقبل الأجهزة بالكامل، خاصة مع عمل «OpenAI» بالتعاون مع المصمم الشهير جوني آيف على أجهزة جديدة قد تعيد تعريف تجربة المستخدم بعيدًا عن الهاتف الذكي.
ويرى محللون أن الوقت لا يزال في صالح «أبل»، لكن بشرط واحد: عندما يصل «سيري» الجديد، يجب أن يقدم تجربة مثالية بلا أعذار.



