من Nokia 3310 إلى الذكاء الاصطناعي: كيف أعادت نوكيا اكتشاف نفسها»

كتب :محمد أشرف
بعد سنوات طويلة من الصعود ثم التراجع الحاد، تعود شركة «نوكيا» الفنلندية إلى واجهة المشهد التقني العالمي، ولكن هذه المرة بعيدًا عن الهواتف المحمولة، كلاعب محوري في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مدعومة بشراكة استراتيجية مع شركة «إنفيديا» تضمنت استثمارًا بقيمة مليار دولار لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في شبكات الاتصالات عالميًا.
ويمثل هذا التحول فصلًا جديدًا في مسيرة شركة شكّلت يومًا ما رمزًا للهيمنة على سوق الهواتف المحمولة، قبل أن تفقد مكانتها مع صعود الهواتف الذكية، لتعيد لاحقًا بناء هويتها أكثر من مرة بحثًا عن البقاء في صناعة شديدة التقلب.
رنين الهيمنة العالمية
لا يزال رنين نوكيا الشهير حاضرًا في الذاكرة الجماعية، فبحلول عام 2009، كان يُعزف – وفق تقديرات – نحو 1.8 مليار مرة يوميًا حول العالم. هذا الرنين، المأخوذ من مقطوعة Gran Vals، جسّد ذروة هيمنة نوكيا على سوق الهواتف منذ منتصف التسعينيات وحتى عام 2008.
السقوط مع صعود الهواتف الذكية
مع إطلاق آبل هاتف «آيفون» عام 2007، ثم الانتشار السريع لهواتف أندرويد منخفضة التكلفة، بدأت مبيعات نوكيا في التراجع الحاد. ويرى محللون أن الشركة تأخرت في استيعاب التحول الجذري في تجربة المستخدم، كما فشلت في تطوير نظام تشغيل قادر على منافسة iOS وأندرويد.
أرقام تاريخية في عصر الهواتف الكلاسيكية
في ذروة مجدها، استحوذت نوكيا على أكثر من 26% من سوق الهواتف العالمي، وبلغت قيمتها السوقية نحو 286 مليار يورو، مع مساهمة تُقدَّر بـ4% من الناتج المحلي الإجمالي لفنلندا. كما باعت 126 مليون وحدة من هاتفها الأسطوري Nokia 3310، الذي ارتبط بلعبة «Snake» الشهيرة.
رهان مايكروسوفت… ومحاولة لم تكتمل
سعيًا للإنقاذ، تحالفت نوكيا مع مايكروسوفت عام 2011 عبر نظام Windows Phone وإطلاق سلسلة Lumia، إلا أن التجربة لم تحقق النجاح المرجو. وبحلول 2014، باعت نوكيا قطاع الهواتف إلى مايكروسوفت مقابل 5.4 مليارات يورو، بعد تراجع الإيرادات بشكل حاد.
التحول إلى شبكات الاتصالات
بعد الخروج من سوق الهواتف، ركزت نوكيا على شبكات الاتصالات كرهان للبقاء. واستحوذت على حصة سيمنس في مشروع الشبكات المشترك، ثم نفذت أكبر صفقة في تاريخها بشراء Alcatel-Lucent مقابل 15.6 مليار يورو، ما أعاد تموضعها كمورد عالمي للبنية التحتية للاتصالات.
منافسة صينية وضغوط مستمرة
واجهت الشركة منافسة قوية من هواوي وZTE، اللتين حصلتا على عقود ضخمة في أوروبا، ما ضغط على حصة نوكيا السوقية وأعاد التساؤلات حول قدرتها على الاستمرار في سوق يشهد تغيرات تقنية وجيوسياسية متسارعة.
الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات: التحول الثالث
تحت قيادة إدارات تنفيذية جديدة، وسّعت نوكيا نشاطها في مجالات الحوسبة السحابية، والشبكات البصرية، ومراكز البيانات. وكان استحواذها على شركة Infinera مقابل 2.3 مليار دولار خطوة محورية لتعزيز ربط مراكز البيانات بسرعات فائقة.
شراكة إنفيديا… رهان المستقبل
في أكتوبر الماضي، أعلنت «إنفيديا» استثمار مليار دولار في نوكيا، إلى جانب شراكة استراتيجية لدمج الذكاء الاصطناعي في شبكات الاتصالات، ما أدى إلى قفزة في سهم نوكيا بنحو 25%، لترتفع قيمتها السوقية إلى قرابة 32 مليار يورو.
ورغم التفاؤل، يحذر بعض المحللين من تقلبات سوق الذكاء الاصطناعي وشدة المنافسة مع شركات مثل Cisco وCiena، إلا أن آخرين يرون أن قدرة نوكيا على التحول المتكرر تظل سر بقائها الحقيقي.
خلاصة
قصة نوكيا لم تكن خطًا مستقيمًا، بل سلسلة من التحولات الجذرية. ومن الهواتف إلى الشبكات، ثم إلى الذكاء الاصطناعي، تثبت الشركة أن البقاء في عالم التكنولوجيا لا يعتمد على منتج واحد، بل على القدرة الدائمة على إعادة اكتشاف الذات



