وثائق وحكايات

” باريس والجزائر ” حرية الإعلام تحت وطأة الذاكرة الاستعمارية

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

أن الحرية في الخطاب الغربي ليست كما تقدم ذا قيمة كونية بريئة من الحسابات ، بل مفهوما سيالا يتبدل مع الجغرافيا وتوازنات القوة ، ففي العاصمة الفرنسية ” باريس ” حيث ترفع راية حرية التعبير بوصفها أحد أعمدة ” مدينة النور ” تتبدى هذه الحرية أحيانا كامتياز داخلي لا يصلح للتصدير ، وحين يعبر حدود الدولة يتحول إلى أداة سياسية قابلة للاشتعال ، فالتاريخ حين يكون مثقلا بالدم والذاكرة الاستعمارية مثقلة بما لا ينسى ، لا يسمح للكلمات أن تمر بلا ثمن ولا للصور أن تبث دون ارتدادات دبلوماسية ، لذلك لم يكن التصعيد الأخير بين فرنسا والجزائر مجرد خلاف إعلامي عابر ، بل لحظة كاشفة لحدود الحرية حين تصطدم بجرح لم يندمل وبسياسة لا تعترف بالبراءة المطلقة للخطاب

فيبدو أن الحريات في مدينة النور ليست دائما محصنة بضمانات مطلقة حين تغادر إطارها الداخلي إلى الفضاء الدولي ، فما يعد ” حرية تعبير ” داخل الحدود الفرنسية قد يتحول خارجها إلى عبء دبلوماسي محكوم بحساسيات التاريخ وصراعات الذاكرة ، خصوصا حين يتعلق الأمر بعلاقات مثقلة بالاحتدام كما هو الحال بين فرنسا والجزائر ، حيث مؤخرا أثار بث للتلفزيون الفرنسي عن تقرير يتناول مرحلة شديدة الحساسية من التاريخ الجزائري والفرنسي موجة غضب رسمية في الجزائر ، وعلى الرغم من أن التقرير أنتج من مؤسسة إعلامية أهلية إلا أن بثه عبر منصة وطنية فرنسية أضفى عليه صفة رسمية غير مباشرة ، وهو ما اعتبرته الجزائر تجاوزا غير محسوب للعواقب ، فالتقرير بحسب الرؤية الجزائرية حمل اتهامات وتشويهات تمس الدولة الجزائرية وقيادتها ، ولم يراع بذلك إرثا تاريخيا لا يزال مفتوح الجراح ، اللافت في الموضوع أن الإعلام الفرنسي تعامل مع القضية من منطلق الحق المطلق في حرية الصحافة ، مستندا إلى خلفيته الفلسفية في الحريات الفكرية دون الالتفات إلى أن هذه الحرية حين تسقط على سياق دولي معقد قد تتحول إلى أداة تصعيد سياسي لا إلى ممارسة مهنية محايدة ، وهو ما زاد المشهد تعقيدا ، وكأن الطرفين في مأمن من ذاكرة تاريخية قابلة للاشتعال في أي لحظة ، وما كان من الجزائر الا ان قامت باستدعاء القائم بأعمال السفارة الفرنسية لديها ، فلم يكن إجراء بروتوكوليا عابرا بل رسالة تحذير واضحة مفادها ” أن المساس بالثوابت التاريخية والسيادية لن يقابل بالصمت ” ، وأن فتح هذا الباب قد يؤدي إلى إعادة نبش الملفات الاستعمارية الثقيلة التي لم تغلق يوما بشكل عادل

فالموضوع الذي تم بثه لم يكن من القضايا التي يمكن للجزائر تمريرها مرور الكرام خصوص وأنه يتناول ما وصف ب ” الحرب السرية ” بين البلدين ، ويتضمن مزاعم عن عمليات تأثير وتسريبات استخباراتية من جانب السلطة الجزائرية بهدف الضغط على فرنسا ، أن هذه الاتهامات وضعت باريس في موقف حرج ، فهي من جهة تتمسك بخطاب الحرية الإعلامية ومن جهة أخرى تجد نفسها أمام أزمة دبلوماسية غير مرغوبة مع شريك تاريخي لا يزال ملف العلاقة معه هشا وقابلا للانفجار ، ويبدو من خلال ذلك أن المشهد مرشح لمزيد من التحولات ، إما عبر إعادة ضبط غير معلنة لهامش الحريات الإعلامية حين تمس السياسة الخارجية الفرنسية ، أو عبر تنازلات متبادلة لاحتواء التصعيد

ليبقى السؤال مفتوحا : هل كان السماح بتصدر هذا الموضوع للمشهد الإعلامي الفرنسي خطوة عفوية باسم حرية التعبير؟ أم أن الدولة الفرنسية تخبئ في جعبتها أوراق ضغط سياسية أرادت تمريرها عبر الإعلام؟ ، ومع ذلك في كلتا الحالتين يتضح أن الحرية مهما بدت مطلقة تظل رهينة السياسة حين تلامس ذاكرة الاستعمار وموازين القوة ، فما حدث لم يكن سوى فصل جديد في كتاب العلاقة ” الفرنسية / الجزائرية ” الطويل والمضطرب ، كتاب تتشابك فيه حرية التعبير مع ذاكرة الاستعمار والحديث الصحفي مع الغضب السياسي ، فتتضاءل فيه حدود البراءة والمطلق ، حيث أن التاريخ هنا ليس مجرد شاهد بل قاض دائم يذكر بأن الصراعات القديمة لا تموت بل تتوارثها الأجيال في وجدانها وفي سياساتها

وما بين باريس والجزائر ، لم يكن هناك وفاق حقيقي ويبدو انه لن يكون ، فكل خطوة إلى الأمام على مسرح المصالح تتقابل دائما بجدار من الشكوك والذكريات العالقة ، فالحرية الفرنسية في التعبير مهما بلغت دائما ما تصطدم بحائط الحساسيات الجزائرية ، كما أن المطامع السياسية الجزائرية مهما حاولت الاختباء فلن تسمح بطمس ماض لم يزل أثره ، وهكذا تبقى العلاقة بين البلدين مشحونة كرحلة لا تصل إلى ميناء واحد ، حيث لا يزال التاريخ هو سيد الموقف ، والذاكرة الثقيلة هي الحارس الأبدي للصراع .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com