” إيطاليا بين الشرق والغرب ” سياسة بلا رؤية في زمن الاصطفافات

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في عالم لم تعد فيه السياسة الخارجية ترفا دبلوماسيا بل اختبارا حاسما لوجود الدول ومكانتها ، تبرز السياسة الإيطالية بوصفها نموذجا للارتباك أكثر منها نموذجا للتوازن ، فمنذ سنوات وروما تبدو وكأنها تتحرك داخل شبكة متشابكة من التحالفات المتناقضة ، تحاول الإمساك بكل الخيوط لكنها في النهاية تفلت منها جميعا ، فلا هي استطاعت أن ترسخ دورا مستقلا داخل المنظومة الأوروبية ولا نجحت في بناء جسور ثابتة مع الشرق ، بل انزلقت إلى سياسة ” رد الفعل ” حيث تدار المواقف تحت ضغط اللحظة لا بوعي التاريخ ،
إن ما تشهده إيطاليا اليوم ليس مجرد خلافات دبلوماسية عابرة ، بل أزمة رؤية تعكس عجزا عن قراءة التحولات الدولية قراءة عقلانية ، فبين السعي لكسب رضا القوى الكبرى ومغازلة شركاء إقليميين دون حساب الكلفة ، تتآكل مصداقيتها السياسية ويغدو خطابها الخارجي أقرب إلى مناورات قصيرة العمر منها إلى استراتيجية دولة تدرك وزنها وحدودها ، ومن هنا يصبح السؤال الملح في المشهد ككل : هل ما زالت إيطاليا فاعلا سياسيا يحاول إعادة تعريف موقعه في عالم متغير ؟ أم أنها تتحول تدريجيا إلى دولة تتقاذفها الرياح بلا اتجاه وبلا قرار سيادي واضح ؟
فالسياسة الإيطالية في الآونة الأخيرة تظهر لنا وكأنها تسير فوق حبل مشدود بين موازين القوى الدولية ، تتأرجح بلا بوصلة واضحة وتتحرك بردود فعل أكثر مما تتحرك برؤية استراتيجية ، فتارة نراها تلتزم بخط الاتحاد الأوروبي لا بل وتؤيده في مواجهته غير المعلنة مع ” السياسات الأمريكية ” ، وتارة أخرى تتجه شرقا في محاولة تثبيت حجر تعاون مع ” سلطنة عُمان ” ، في مسعى واضح لكسب موازين سياسية جديدة تقيها العزلة وتمنحها متنفسا اقتصاديا وسياسيا في زمن هش ، غير أن هذا التوجه سرعان ما يصطدم بتناقض صارخ ، فإيطاليا التي مدت اليها يد التعاون من دولة ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران ، تعود لتعلن خطوة تصعيدية خطيرة عكسية بتأيد إدراج ” الحرس الثوري الإيراني ” على قائمة الإرهاب ، في توقيت سياسي متأجج لا يحتمل مثل هذه الاستفزازات ، خطوة بدت أقرب إلى مقامرة سياسية منها إلى قرار مدروس ، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك التحالفات
إلا ان طهران لم تتأخر في الرد ، إذ سارعت إلى استدعاء السفير الإيطالي ملوحة بتصعيد كبير ما لم تتراجع روما عن موقفها ، فإيران التي ترى في هذه الخطوة تهديدا مباشرا لوجودها السياسي لا تتعامل مع مثل هذه القرارات كاختلاف دبلوماسي عابر ، بل كخط أحمر لا يمكن تجاوزه مهما كانت المبررات أو المصالح المعلنة خلفه ، وهنا يتكشف جوهر الإشكالية حول ما اذا كانت إيطاليا تسعى فعلا إلى بناء سياسة خارجية متوازنة ؟ أم أنها تحاول إنقاذ اقتصادها ومكانتها الدولية عبر الاصطفاف الهش مع طرف ضد آخر دون إدراك لحجم الكلفة الاستراتيجية؟ ، إن ما يظهر حتى الآن يوحي بسياسة ” مرتجلة ” تفتقر إلى العمق وتدار بعقلية قصيرة النفس في ساحة دولية لا ترحم المترددين
حيث في عالم تتزاحم فيه القوى الكبرى على النفوذ ، لا مكان لدولة تسير بلا معادلة واضحة ، وإن لم تعِ إيطاليا خطورة هذا التخبط وتعدل مسارها ضمن توازنات دقيقة تحمي مصالحها دون إشعال الخصومات ، فإن خطواتها قد تقودها بثبات نحو الهامش ، وحينها لن تجد من يصفق لها ولا حتى من يؤدي واجب العزاء السياسي كما ينبغي ، بل ستركن على رف النسيان وخارج البروتوكولات بلا وزن ولا تأثير ، ففي النهاية تبدو السياسة الإيطالية اليوم كحركة جسد فقد توازنه ، حيث كل خطوة إلى الأمام تقابلها ارتطامة أشد بالفراغ ، فالتغريد خارج السرب واستفزاز هذا الطرف أو ذاك لا يصنع مكانة ولا يبني نفوذا بل يكشف فراغ الرؤية وضيق الأفق ، فافتعال الخصومات في زمن التحالفات الذكية لا يعد شجاعة سياسية بل اعترافا مبطنا بالعجز عن إنتاج دور حقيقي في معادلة دولية تحكمها المصالح الثقيلة لا الانفعالات العابرة ، وما تمارسه إيطاليا من ” نكايات ” دبلوماسية تجاه دول لا تشكل تهديدا مباشرا لها ، لن يمنحها خلاصا اقتصاديا ولا وزنا استراتيجيا بل سيراكم عليها أثمانا مؤجلة ستدفع في لحظة ضعف قادمة ، فالدول لا تقاس بصوتها العالي بل بثباتها ، ولا تحترم بكثرة مواقفها المتناقضة بل بقدرتها على الصمت حين يكون الصمت سياسة وبالكلام حين يكون الكلام ضرورة
إن السياسة حين تدار بعقل مرتبك تتحول من أداة حماية إلى سبب للسقوط ، وإن استمرت ايطاليا في هذا المسار المرتجف ستكتشف متأخرا أن العالم لا ينتظر المترددين ، ولا يمنح مكانا لمن يلوح كثيرا ولا يمسك بشيء ، فالتاريخ لا يرحم الدول التي تستهلك نفسها في خصومات بلا جدوى بل يمر فوقها بصمت ، كما لو أنها لم تكن يوما لاعبا في المشهد .



