وثائق وحكايات

في ذكرى رحيله.. “ديفيد سمحون” الذي زلزل أركان الموساد: رأفت الهجان أسطورة لا تغيب

بقلم/ محمد عبد اللطيف بدوي

​تمر اليوم ذكرى رحيل واحد من أعظم رموز التضحية والصمت في التاريخ العسكري المصري والعربي، البطل رفعت علي سليمان الجمال، الشهير بـ “رأفت الهجان”، الذي غادر عالمنا في مثل هذا اليوم 30 يناير 1982. رحل الجمال تاركاً خلفه إرثاً استخباراتياً تُدرس فصوله في أقوى أجهزة المخابرات العالمية، كنموذج فريد للجندي المجهول الذي خاض أخطر المعارك بلا سلاح، وآمن بأن الانتصار قد يولد من معلومة وصلت في الوقت المناسب.

​من دمياط إلى قلب تل أبيب: رحلة “البطل المتخفي”

​وُلد الجمال في مدينة دمياط عام 1927، وعاش حياة مضطربة في شبابه تنقل فيها بين أعمال متعددة، قبل أن تلمح عين المخابرات المصرية الثاقبة في ذكائه الحاد وقدرته المذهلة على التلون والتمثيل مادة خام لبطل استثنائي. بدأت رحلة إعداده كواحدة من أدق عمليات التجنيد، ليدخل إسرائيل بهوية يهودي مصري مهاجر يُدعى “ديفيد شارل سمحون”. هناك، بنى إمبراطورية اقتصادية وعلاقات اجتماعية واسعة شملت صداقة كبار القادة والسياسيين الإسرائيليين.

​إنجازات خلف خطوط العدو

​لم تكن مهمة الهجان مجرد “تجسس” تقليدي، بل كانت عملية “زرع” طويلة الأمد أثمرت نتائج غيرت مجرى التاريخ. فقد تمكن من نقل معلومات شديدة الأهمية كشفت نوايا العدو وخططه العسكرية في مراحل مصيرية، أبرزها:

  • تنبؤات الحروب: إبلاغ القيادة المصرية بموعد العدوان الثلاثي عام 1956، وساعة الصفر لهجوم يونيو 1967.
  • ملحمة أكتوبر 1973: تزويد المخابرات المصرية بتفاصيل دقيقة عن التحصينات الإسرائيلية، مما ساهم في نجاح العبور العظيم.
  • الصمود النفسي: القدرة الفائقة على العيش لسنوات طويلة بهوية مزدوجة تحت ضغط نفسي هائل، دون أن ينكشف أو ينهار، موازناً بين انتمائه الوطني والواقع المفروض عليه.

​”رأفت الهجان” في الوجدان الشعبي

​بعد انتهاء مهمته، عاش رفعت الجمال خارج الأضواء، ولم تُكشف حقيقته للرأي العام إلا بعد وفاته في ألمانيا عام 1982، حين أعلنت مصر رسمياً عن قصته. وقد خلدت الدراما المصرية هذه السيرة في المسلسل التلفزيوني الشهير “رأفت الهجان” الذي جسده الفنان القدير محمود عبد العزيز، مما ساهم في ترسيخ صورته كبطل قومي أسطوري في الوجدان العربي، ونموذج فريد لرجل خدم وطنه في صمت ودفع ثمن ذلك عمراً كاملاً من العزلة والخطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى