وثائق وحكايات

رحل فى مثل هذا اليوم الكاتب الاسكتلندى روبرت لويس ستيفنسون

رحل فى مثل هذا اليوم الكاتب الاسكتلندى روبرت لويس ستيفنسون

كتب:  محمد عبد اللطيف بدوي

وُلد روبرت لويس ستيفنسون في أدنبرة باسكتلندا عام 1850 في أسرة تهتم بالعلم والهندسة، إذ كان والده مهندسًا في تصميم المنارات، غير أن ميول الابن كانت أدبية منذ صغره، إذ استهوته الحكايات والأساطير والرحلات أكثر من الحسابات والخرائط. عانى منذ طفولته من مرض في الرئة جعله ضعيف البنية، لكنه في المقابل منحه وقتًا طويلًا للتأمل والقراءة والكتابة، فكان المرض بوابته إلى عالم الخيال الذي سيصنع فيه فيما بعد أدبًا خالدًا.

درس القانون في جامعة أدنبرة، لكنه لم يمارسه قط، لأن الأدب استحوذ على روحه. بدأ مسيرته بكتابة المقالات والرحلات التي عكست أسلوبه السلس وفضوله الإنساني الواسع، ثم اتجه إلى الرواية فحقق شهرة عالمية بأعماله التي جمعت بين المغامرة والفلسفة والبعد النفسي العميق.

من أشهر رواياته “جزيرة الكنز” التي نشرت عام 1883، وهي قصة مغامرة بحرية تدور حول البحث عن كنز مدفون يقود إليه خريطة غامضة. أبدع ستيفنسون في رسم شخصياته، وخصوصًا القبطان لونغ جون سيلفر الذي أصبح رمزًا للقرصان الذكي الماكر، كما أرسى بهذه الرواية ملامح أدب المغامرات الحديثة، حيث تمتزج الإثارة بالتأمل في الطمع والشجاعة والولاء.

وفي عام 1886 كتب واحدة من أكثر رواياته تأثيرًا في الأدب العالمي، وهي “الدكتور جيكل والسيد هايد”، التي تناول فيها الصراع بين الخير والشر داخل الإنسان بأسلوب رمزي عميق. استطاع من خلالها أن يصوغ رؤية فلسفية عن ازدواجية النفس البشرية، وكيف يمكن أن يتعايش في الإنسان شخصان متناقضان أحدهما رحيم والآخر متوحش. صارت هذه القصة نموذجًا أدبيًا خلد مفهوم الانقسام النفسي في الثقافة العالمية.

كانت حياة ستيفنسون مليئة بالأسفار، فقد تنقل بين أوروبا والولايات المتحدة وجزر المحيط الهادئ باحثًا عن مناخ يناسب صحته الهشة وعن أماكن تلهمه الكتابة. عاش سنواته الأخيرة في جزيرة ساموا حيث أحبه السكان المحليون وأطلقوا عليه لقب “توسيتالا” أي “راوي القصص”. هناك واصل الكتابة إلى أن توفي عام 1894 وهو في الرابعة والأربعين من عمره، تاركًا وراءه إرثًا أدبيًا يفيض بالحيوية والمغامرة والتأمل الإنساني.

تميز أسلوبه بالقدرة على الجمع بين البساطة والعمق، فكان قادرًا على مخاطبة القراء من مختلف الأعمار، يدهشك بخياله الواسع وصوره المفعمة بالحياة، ثم يأخذك فجأة إلى تأملات عن طبيعة الإنسان والمصير والموت. كما كان من أوائل من أدركوا أن الأدب يمكن أن يكون ممتعًا وعميقًا في الوقت نفسه، وأن المغامرة ليست مجرد حكاية، بل مرآة تعكس صراعات النفس البشرية.

أثر ستيفنسون في أجيال من الكتّاب بعده، واستُوحي من أعماله عدد لا يُحصى من الأفلام والمسرحيات والروايات المصورة. لم يكن كاتب مغامرات فحسب، بل فيلسوفًا يكتب بلغة السرد، يستكشف من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، حلمه وواقعه. عاش حياة قصيرة لكنها كانت غنية بالإبداع، وبقي صوته حاضرًا في الأدب العالمي كرمز للخيال الإنساني الذي لا تحدّه الجغرافيا ولا المرض ولا الموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى