” هوية متعددة وايمان واحد ” مشروع المسجد الكبير في باريس

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في قلب العاصمة الفرنسية حيث تتجاور ذاكرة الكنائس القديمة مع ضجيج الحداثة ، وحيث تصاغ الهوية الوطنية على مبدأ حياد الدولة تجاه الاديان ، يخرج من اروقة المسجد الكبير في ” باريس ” عمل فكري جديد لا بوصفه كتابا فحسب ، بل كمحاولة للاجابة عن سؤال قديم يتجدد في : كيف يمكن للايمان ان يعيش في عالم يصر على ان يبقى محايدا تجاه المقدس؟
ففي فرنسا التي تعد نموذجا صارما لمبدأ ” العلمانية ” لا يطلب من الدين ان يختفي بل ان يتحول الى تجربة شخصية لا تتداخل مع المجال العام ، وهنا لا يطرح التحدي على الاسلام وحده بل على فكرة الايمان ذاتها في : هل يستطيع الدين ان يحافظ على روحه وهو يتنفس داخل نظام قانوني يرى الانسان مواطنا قبل ان يكون مؤمنا ؟ ، الكتاب الصادر عن المسجد الكبير لا يقدم اجابة فقهية تقليدية بل يفتح افقا فلسفيا جديدا بان الايمان ليس نقيض الحداثة بل يمكن ان يكون احد اشكال التكيف معها
ان ما يقترحه هذا العمل ليس مجرد “مدونة سلوك” بل رؤية تقول ان الدين ليس بنية جامدة بل كائن تاريخي يتفاعل مع الزمان والمكان ، فالاسلام في هذا التصور ليس نظاما مغلقا ينقل كما هو من بيئة الى اخرى، بل تجربة روحية قادرة على اعادة قراءة ذاتها في ضوء السياق ، ومن هنا يتحول مفهوم التكيف من تنازل الى حكمة ، بمعنى ادق لا يعني ذلك ان يتخلى المؤمن عن دينه بل ان يميز بين الجوهر والهيئة ، بين المقصد والشكل ، بين الثابت والمتغير ، فالجوهر هو مجموعة من القيم مثل ” العدل ، الكرامة ، الرحمة ، المسؤولية ” اما الاشكال فهي ابنة البيئة والتاريخ ، نعم كثيرا ما يقدم مفهوم العلمانية بوصفه صراعا مع الدين ، لكن القراءة الاعمق ترى انها محاولة لتنظيم التعدد لا لالغائه ، حيث تقول بأنه يمكن للجميع ان يؤمنوا بشرط الا يفرض احد ايمانه على المجال العام ، وفي هذا الاطار يصبح التحدي الحقيقي ليس بقاء الدين بل قدرته على الانتقال من منطق الهيمنة الى منطق الحضور الهادئ ، حضور لا يطالب بالسيطرة بل بالاعتراف ، ولا يسعى الى فرض نفسه بل الى ان يكون جزءا من نسيج المجتمع
فالعمل الصادر عن المسجد الكبير في العاصمة الفرنسية ” باريس ” يعكس تحولا عميقا في فهم الهوية ، حيث لم يعد السؤال : هل انت مسلم ام اوروبي؟ بل : كيف تكون الاثنين معا دون صراع داخلي؟ ، لأن الهوية الحديثة لم تعد طبقة واحدة بل طبقات متداخلة في الايمان الروحي، والانتماء الثقافي والمواطنة القانونية ، وهنا تكمن الفكرة الفلسفية الاهم وهي أن الانسان المعاصر ليس كائنا ذا هوية واحدة ، بل مشروع توازن دائم بين انتماءات متعددة
نعم ان هذا الكتاب ياتي اليوم في سياق اوروبي مشحون بالقلق من التطرف وبالجدل حول الهجرة والاندماج ، لكن اهميته لا تكمن في الرد على المخاوف السياسية فقط ، بل في اعادة صياغة العلاقة بين الاسلام والحداثة على اساس فكري لا امني ، لانه يقول للمجتمع الفرنسي بأن الاسلام ليس جسما غريبا بالضرورة ، ويقول للمسلمين بأن الاندماج ليس ذوبانا بل شكلا جديدا من الوجود ، فهذا العمل يحمل بذرة لما يسمى احيانا ” الاسلام الاوروبي ” هو ليس اسلاما جديدا في العقيدة بل تجربة تاريخية جديدة في العيش ، اسلام يتصالح مع الدولة المدنية ويعيد قراءة تراثه في ضوء المواطنة ، ويكتشف ان القيم التي يدعو اليها مثل ” الكرامة والعدالة واحترام الانسان ” هي ذاتها التي قامت عليها الفكرة الجمهورية
فهذا الكتاب ليست اهميته في صفحاته الكثيرة بل في سؤاله العميق في : هل يمكن للايمان ان يعيش دون ان يخاف من الحداثة؟ وهل يمكن للحداثة ان تتسع للروح دون ان تفقد حيادها؟ ، ففي عالم تتصاعد فيه الهويات المتصارعة يأتي هذا العالم بمحاولة هادئة لاقتراح طريق ثالث طريق لا يقصي الدين ولا يسيس الايمان بل يعيد الانسان الى مركز ” المعادلة ” فلم يعد التحدي الحقيقي هو التوفيق بين الاسلام والعلمانية ، بل التوفيق بين الانسان وزمنه ، وكل محاولة صادقة لفعل ذلك ليست مجرد كتاب بل خطوة صغيرة نحو مستقبل اقل خوفا واكثر فهما .



