” دفء العاطفة ” بين الذاكرة والفراغ المعاصر

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في هذا العصر الذي فقد فيه الإنسان حواسه ودهشته ، نحاول أن نعيد النظر في الأشياء كما يجب أن ترى ليست بما نملكها بل ما تعنيه لنا ، وما تحمله من ألوان الروح من دفء الذاكرة ، ومن بريق الفهم الذي يضيء قلبنا في صمت الأيام ، رحلة بين ما تبقى لنا وما فقدناه ، بين ما يلمس الروح وما يطفو بلا معنى على سطح الحياة
ففي عالم يغرق في البهرجة ، ويختنق بالتكنولوجيا التي تتسارع خطواتها كما لو كانت تخطف الأنفاس من الزمن نفسه ، أضحت الأشياء تفقد روحها ومعناها شيئا فشيئا ، حتى باتت مجرد أدوات بلا قلب ، زخرفة بلا معنى ، ظلال لما كانت عليه من قبل ، فالأشياء التي تربينا عليها منذ الصغر والتي كانت مرآة لتاريخنا وموروثنا لم تعد تحمل في جوهرها ما يعيدنا إلى ذواتنا ، فقد صار العالم يدار بسرعة الضوء ويتقدم بلا توقف فتخسر الإنسانية معها شيئا من جوهرها ، شيئا من حضارتها الداخلية ، شيئا من ذاك الشعور الفطري بالانتماء والحب والوعي ، وأصبح الإنسان اليوم يملك الأشياء ليس لأنه يحتاجها بل ليصارع بها الآخرين ، وليعلن للعيان امتلاكه ، بينما تضيع قيمة الحاجة الحقيقية وتختفي معاني الرغبة في التطوير والنمو ، فالممتلكات تتكدس على رفوف الحياة وفائضها يغمره ، بينما الأشياء التي كانت تغذي الفكر والروح ترمى على قارعة الطريق وكأنها لم تكن يوما ، حيث كان الإنسان في زمن قريب يكتب الرسائل بخط يده وبروح مشبوبة بالحنين لتبحر الكلمات من قلبه إلى قلب آخر ، وتحمل معها دفء العاطفة وعمق التعبير ، وتنسج جسورا من الفهم والتواصل بين النفوس ، أما اليوم فاستبدلت الرسائل الإلكترونية هذا الفن الساحر ، فصارت الكلمات مجرد رموز متكررة تلتصق بالشاشة ثم تمحى، بلا أثر يذكر بلا روح تستعاد
وإن أمعنا النظر إلى لوحة هذا العصر نجدها باهتة ، شاحبة ، تقتصر على لون أو لونين ، لا تنبض ، لا تثير الدهشة ، ولا تصنع البهجة ، فالألوان الزاهية التي كانت تأسر العين والروح ، التي كانت تلهب خيالنا منذ زمن قد اندثر قد تلاشت ، واندثرت معها الحياة نفسها ، حياة كانت تهب الإنسان معنى وجوده ، وتغذي روحه وتوقظ فكره ، وتجعل قلبه يسبح في جماليات العالم كما يسبح الطائر في السماء ، بلا قيود ، بلا حواجز ، بلا ضجيج يقطع انسجامه
ففي هذا العصر كل شيء متاح لكن لا شيء يلمس القلب ، فكل شيء يقتنى لكن لا شيء يحس ، ان العالم صار مكتظا بالضوضاء والتكرار ، مكتظا بما لا يحمل قيمة ، مكتظا بما يلهينا عن جوهرنا ، عن ذاتنا الحقيقية ، لقد فقد الإنسان معناه ، وجوهره ، ورقي فكره ، وحينما نسأل عن الحياة نجدها مجرد ركام من الأشياء الفائضة ، بينما الروح تبحث عن لون واحد لم يعد موجودا ، عن رسالة حقيقية لم تكتب بعد ، وعن لحظة حقيقية تعيدنا لأنفسنا لتخبرنا أننا لا نعيش لنكدس الأشياء ، بل لنعيش بها ولنعيش معها ونكتب من خلالها روايتنا ونغنيها ، ونحيا الحياة التي ولدت لنا لا الحياة التي وهبت لنا لتدفنها تحت طبقات الفراغ والرتابة .