لغز الإمبراطورية الروسية في ذكرى ميلاده.. جريجوري راسبوتين: الفلاح الذي حكم من خلف الستار

بقلم: محمد عبد اللطيف بدوي
تحل اليوم الحادي والعشرون من يناير ذكرى ميلاد واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الحديث، الراهب الروسي “جريجوري راسبوتين” (1869-1916). ذلك الفلاح السيبيري الذي تحول من مجرد متصوف جوال إلى الرجل الأقوى نفوذًا في بلاط آخر قياصرة روسيا، تاركًا خلفه لغزًا لم تفك طلاسمه حتى الآن.
من غياهب سيبيريا إلى أروقة القصور
ولد راسبوتين في قرية نائية بسيبيريا عام 1869، ونشأ في بيئة ريفية قاسية غلبت عليها الخرافة والتدين الشعبي. رغم افتقاره للتعليم النظامي، إلا أنه امتلك حضورًا طاغيًا ونظرات نافذة، سرعان ما جعلت منه “رجلًا مقدسًا” في نظر الفلاحين. انتقل راسبوتين إلى سانت بطرسبرغ في لحظة تاريخية فارقة، حيث كان المجتمع الأرستقراطي يبحث عن الخلاص الروحي وسط الاضطرابات السياسية.
سر النفوذ: معجزة ولي العهد
كانت نقطة التحول الكبرى هي قدرة راسبوتين الغامضة على تخفيف آلام ولي العهد “أليكسي” المصاب بمرض الهيموفيليا (نزف الدم). هذا النجاح منحه ثقة مطلقة من الإمبراطورة “ألكسندرا”، التي اعتبرته مرسلًا من السماء لحماية عرش آل رومانوف. ومن هنا، تغلغل راسبوتين في صناعة القرار، وبدأ في التأثير على تعيين الوزراء والسياسات العامة للدولة، خاصة خلال انشغال القيصر نيقولا الثاني بجبهات الحرب العالمية الأولى.
شخصية متناقضة: قديس أم شيطان؟
لم تكن حياة راسبوتين تخلو من التناقضات الصارخة؛ فبينما رآه أتباعه رجلًا ذا قدرات شفائية وروحية، رآه خصومه دجالًا استغل ضعف الأسرة الحاكمة لنشر الفساد والانحلال. غُذيت الصحافة حينها بقصص عن حياته الخاصة الصاخبة، مما أدى إلى تآكل هيبة الحكم القيصري في عيون الشعب والنبلاء على حد سواء.
النهاية الدرامية وسقوط الإمبراطورية
انتهت أسطورة راسبوتين بعملية اغتيال درامية في ديسمبر 1916، دبرها مجموعة من النبلاء الذين اعتقدوا أن موته هو السبيل الوحيد لإنقاذ روسيا من الانهيار. إلا أن الواقع أثبت أن راسبوتين لم يكن سوى عرضٍ لأزمة أعمق؛ فبعد أشهر قليلة من مقتله، اندلعت الثورة الروسية وسقط النظام القيصري للأبد، تمامًا كما تنبأ راسبوتين في رسالة شهيرة وجهها للقيصر قبل موته.
يظل راسبوتين حتى يومنا هذا مادة خصبة للأدب والسينما، بوصفه الشخصية التي جسدت بوضوح كيف يمكن للفرد، بمزيج من الكاريزما والظروف السياسية المتدهورة، أن يغير مجرى التاريخ ويسرع بنهاية إمبراطورية دامت قرونًا.



