” كوكب على المحك ” زمن الصراعات الكبرى وقلق المصير

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

ان مايجري حولنا اليوم ليس مجرد اضطراب عابر ، بل ارتجاج طويل في بنية الإنسان وعلاقته بالأرض ، بالزمن ، وبنفسه ، ومن هنا تبدأ الحكاية ، من لحظة وعي متأخرة ومن خوف مشروع ، ومن أمل لا يزال يقاوم بصمت
حيث لم نعد نعيش الزمن كما كان ، بل نمر به وكأنه يمر علينا دون أن يلتفت فالأيام تتبدل أسرع من قدرتنا على الفهم ، والأرض التي حملتنا قرونا تبدو اليوم مثقلة بخطواتنا ، متعبة من ضجيجنا ، ومن نزاعات لم نعد نعرف إن كانت تبحث عن نصر أم عن ذريعة للاستمرار ، ففي هذا العالم المتخم بالصراعات ، اصبح القلق هو الإيقاع الخفي الذي ينظم حياتنا ، واصبحت الأسئلة أكبر من الأجوبة وأثقل من أن تقال دفعة واحدة

ففي زمن تتكاثر فيه المعارك أكثر مما تتكاثر الأحلام ، لم تعد الأرض مسرحا للحياة بقدر ما غدت ساحة مفتوحة للصراع الدائم ، فننام على أصوات التحذير ونستيقظ على أخبار التحولات الكبرى ، حتى باتت الأيام نفسها وكأنها تعيد ترتيب مصائرنا دون استئذان ، وتنقلنا من يقين هش إلى قلق أشد هشاشة ، في كل لحظة تمر تحمل معها احتمالا جديدا للتبدل ، وفي كل صباح يبدو وكأنه نسخة أخرى من مساء لم يكتمل فيه الأمان ، لقد أصبح الصمت لغة العصر ، فأفواهنا موصدة لا عجزا عن الكلام بل ثقلا من فائض ما لا يمكن قوله ، أما عقولنا فتجوب مساحات شاسعة من الأسئلة المؤجلة ، شاردة بين خوف معلن وأمل خجول ، تتأمل الغد وكأنه ضباب لا ملامح له ، لنعيش أعمارنا في حالة ترقب دائم ، نحصي الأيام لا بوصفها حياة تعاش بل انتظارا لما قد يقع أو لما قد يفقد ولما قد لا يأتي أبدا

وفي خضم هذا الاضطراب ، يلوح سؤال أكبر منا جميعا : إلى أين تمضي هذه الأرض بكل ما حملته من تاريخ ووجع وأحلام ؟ هل ستبقى على دورانها المعتاد ، أم أن ما تراكم فوقها من عبث بشري ، وما نفذ في جسدها من اختراقات متواصلة ، قد يدفعها يوما إلى الاحتجاج بالصمت ، أو بالتوقف ، أو بالانكسار ؟ وكأن الأرض في خيالنا المتعب لم تعد كيانا صامتا بل كائنا حيا يئن تحت وطأة الاستنزاف ، يراقبنا ونحن نعيد الأخطاء ذاتها ، ثم نتساءل بدهشة عن سبب الخراب ، فنحن اليوم ماضون فوق هذه الأرض بخطوات غير متناسقة ، نتحرك داخل فوضى لا نعرف متى تنتهي ، ولا متى تلملم شتاتها ، ولا متى تستعيد إيقاعها الواحد ، فكل شيء من حولنا يسير بتسارع مختلف ، فالسياسة تسبق الحكمة ، والتكنولوجيا تسبق الأخلاق ، والضجيج يسبق المعنى ، حتى الإنسان نفسه بات يركض دون أن يعرف وجهته ويستهلك أيامه كما يستهلك الأشياء ، دون أن يسأل إن كان ما يفعله يقوده إلى النجاة أم إلى مزيد من التيه

ومع كل هذا ، يظل الأمل فكرة معلقة لا تموت تماما ، لنتساءل بصوت خافت : هل سنصحو يوما على هواء عليل ، على صباح لا تحمله نشرات الأخبار مثقلا بالخسارات ؟ وهل ستفتح النوافذ ذات فجر ما على نسمة نقية ، لا تشوبها عوادم الحروب ولا اختناقات المدن ولا رائحة الخوف ؟ أم أن البدايات نفسها ستغدو يوما مثقلة ، وستستيقظ النوافذ قبلنا على واقع لم يحسب له حساب، حتى نجد أن الضوء بات مشوبا بالتعب ؟ ، حيث ما نعيشه ليس مجرد مرحلة عابرة بل اختبار طويل لمعنى الإنسان على هذه الأرض ، اختبار لصبره ، ووعيه ، وقدرته على مراجعة ذاته قبل أن يطالب العالم بالتغير ، فربما لا تحتاج الأرض إلى أن تتوقف عن الدوران ، بل تحتاج فقط إلى أن نتوقف نحن عن العبث ، أن نصغي إلى أنينها الخافت قبل أن يتحول إلى صمت نهائي لا عودة بعده ،
وربما في لحظة ما لم ننتبه لها بعد ، لن تطلب الأرض أكثر من أن ننصت ، لن ترفع صوتها ، ولن تسقط سماءها فوق رؤوسنا ، بل ستكتفي بإبطاء نبضها قليلا كمن يمنح أبناءه فرصة أخيرة للفهم ، عندها سنكتشف أن الخراب لم يكن قدرا  بل خيارا ، وأن الصمت الذي أحاط بنا لم يكن عجزا بل إنذارا طويل الأمد
وحين سنعود إلى ذواتنا ، سنفهم أن الأرض لم تكن يوما غاضبة بقدر ما كانت مرهقة ، وأن دورانها المستمر لم يكن علامة رضا ، بل فعل صبر ممتد
فإن أحسنا الإصغاء قد تمنحنا صباحا لا يحتاج إلى أقنعة ، وهواء لا يُقاومه الصدرو، وخطوات تعود إلى إيقاعها الطبيعي ، أما إن واصلنا العبور بلا وعي ، فقد يأتي يوم لا تتوقف فيه الأرض عن الدوران فقط بل سنتوقف نحن ايظا عن أن نكون جزءا من معناها الحقيقي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com