” مجلس ترامب للسلام ” مشروع ابتزاز عالمي بواجهة دبلوماسية

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في زمن تتفكك فيه قواعد النظام الدولي ، وتختبر فيه مفاهيم السيادة والشرعية على وقع الحروب والابتزاز والعقوبات ، يعود الرئيس الامريكي ” دونالد ترامب ” إلى المسرح العالمي لا بوصفه سياسيا يبحث عن حلول ، بل كظاهرة تجسد اختلال هذا النظام ذاته ، فحين يتحدث رجل اشتهر بتقويض الاتفاقات والتنصل من الالتزامات وتسليع السياسة الخارجية عن ” مجلس سلام دولي ” ، يصبح من المشروع بل من الضروري أن يقرأ الطرح لا بما يقوله ، بل بما يخفيه ، فليست هذه الدعوة إلا مرآة لعالم بات السلام فيه شعارا للاستهلاك والهيمنة ، مشروعا يعاد تسويقه بأسماء جديدة ، ومن هنا لا يمكن التعامل مع مبادرة ترامب كحدث دبلوماسي عابر ، بل كإشارة إنذار إلى مسار أخطر ، مسار يعاد فيه تعريف الحكم العالمي على أسس فردية وصفقات مالية ونزعات تسلطية لا تعترف بحدود أو قواعد
فدعوة دونالد ترامب الأخيرة إلى إنشاء ” مجلس سلام دولي ” ليست سوى فصل جديد من مسرحية سياسية سمجة ، تعاد صياغتها كلما احتاج الرجل إلى استدعاء الأضواء أو إعادة تثبيت اسمه في مركز المشهد العالمي ، فالمبادرة التي وجهت إلى دول من أوروبا والمنطقة العربية وآسيا ، لا تحمل في جوهرها أي مضمون سلامي بقدر ما تكشف نزعة هيمنة عارية مغلفة بلغة دبلوماسية جوفاء ، فالعالم اليوم لا يقف على عتبة سلام ، بل على حافة صدامات كبرى تدار بوعي كامل ، وتدفع نحو التصعيد بخطى محسوبة ، ليبدو هنا الحديث عن مجلس سلام ضربا من الاستخفاف بالعقل السياسي العالمي ، خصوصا حين يصدر عن رئيس سابق وربما عائد ، بنى مسيرته على هدم الاتفاقات ، وابتزاز الحلفاء ، والتعامل مع السياسة الخارجية بوصفها صفقة عقارية لا أكثر

ان التناقض الفج في تصريحات ترامب لم يعد عرضا جانبيا ، بل تحول إلى عقيدة حكم ، فالرجل الذي يطرح نفسه اليوم راعيا للسلام ، هو ذاته الذي يعلن بلا تردد أنه ” غير ملزم بالسلام ” ، فأي سلام هذا الذي يولد من رحم الإنكار ؟ وأي نظام دولي يمكن أن يبنى على مزاج رجل يبدل مواقفه كما يبدل خطاباته الانتخابية ؟ ، ان الأخطر من ذلك هو أن ترامب تجاوز مرحلة التلاعب بالمصطلحات إلى مرحلة الوقاحة السياسية الصريحة ، فحين يعلن بين ليلة وضحاها عن ما يسمى  ” مجلس إدارة للعالم ” ، واضعا تسعيرة للانضمام ب ” مليار دولار نقدا ، هنا لا يعود الحديث عن سياسة دولية بل عن سوق نفوذ مفتوح تباع فيه الشرعية وتؤجر السيادة وتختزل العلاقات بين الدول في فاتورة دفع ، ان هذا الطرح لا يعكس فقط استخفافا بالقانون الدولي ، بل يكشف عقلية استعمارية معاد تدويرها ، ترى في الدول وحدات مالية وفي الشعوب أرقاما فائضة عن الحاجة ، ان سلام ترامب ليس سوى غطاء لابتزاز منظم يراد له أن يفرض باسم الواقعية السياسية ، بينما هو في حقيقته استكمال لنهج استنزافي لا يشبع ، ولا يعترف بحدودو، ولا يقيم وزنا لمعنى الشراكة أو الاحترام المتبادل ، فلم يعد السؤال هنا : هل سينجح ترامب في تمرير هذا الوهم ؟ ، بل : إلى أي مدى سيسمح لهذا النمط من الجنون السياسي أن يتحول إلى قاعدة حاكمة للنظام الدولي ؟

فحين تدار شؤون العالم بعقلية رجل متسلط ، نرجسي ، عطِش للنفوذ ، فإن الخطر لا يكمن في قراراته وحدها ، بل في هشاشة العالم الذي يتعامل معها وكأنها مجرد تصريحات عابرة ، لذلك نحن اليوم أمام لحظة تاريخية يعاد فيها تسويق الفوضى على أنها نظام ، والابتزاز على أنه قيادة ، والهيمنة على أنها سلام ، وإذا استمر هذا المسار فلن يكون مجلس ترامب سوى إعلان رسمي عن نهاية ما تبقى من وهم ” النظام الدولي ” ، وبداية عصر تحكم فيه الجغرافيا السياسية بمنطق الصفقة لا بمنطق الدولة ، وبقانون الأقوى لا بقوة القانون

فإن أخطر ما في طرح ترامب لا يكمن في فجاجته وحدها ، بل في ما يفتحه من سابقة قاتلة حول تطبيع فكرة ” أن يدار العالم بعقلية المقاول ” لا رجل الدولة ، وبمنطق التسعير لا الشرعية ، وبمزاج الفرد لا بتوازن المؤسسات ، فحين يصبح السلام مشروطا بالدفع ، والانضمام للنظام الدولي مرهونا بالثروة ، فإن العالم لا يتجه نحو الاستقرار بل نحو شرعنة الفوضى بوثيقة رسمية
وهذه ليست أزمة ترامب ، بل أزمة نظام دولي مأزوم سمح لرجل واحد أن يتصرف وكأنه مفوض بإعادة تعريف الشرعية والسيادة والمعنى نفسه للقوة وإذا استمر هذا الانحدار ، فإن ما يسوق اليوم على أنه مجلس سلام قد يتحول غدا إلى نموذج حكم عالمي قائم على الابتزاز ، حيث تقاس قيمة الدول بقدرتها على الدفع لا بحقها في الوجود أو تقرير المصير

إن صمت المجتمع الدولي هنا ، أو تعامله البراغماتي البارد مع هذه الطروحات ، لا يقل خطورة عن الطرح ذاته ، فالتاريخ لا يعاقب فقط من أشعل الحرائق ، بل أيضا من وقف يتفرج عليها وهي تقدم في هيئة مشروع إنقاذ
ان هذه لحظة فاصلة ، فإما أن يعاد الاعتبار لمنطق الدولة والقانون والتوازن، أو أن يدخل العالم مرحلة تدار فيها السياسة الدولية كما تدار مزادات النفوذ ، بلا قواعد ، وبلا خطوط حمراء ، وبلا مستقبل يمكن الوثوق به .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com