وثائق وحكايات

” على ضفاف دنيستر ” ترانسنيستريا كمرآة لصراع أوروبا الشرقية

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

على ضفاف نهر ” دنيستر ” ،  تتحول السياسة إلى شعر صامت والاقتصاد إلى لغة الخوف والاعتماد ، والنفوذ إلى رياح تهب من الشرق والغرب بلا هوادة ، فهناك بقعة جغرافية ليست مجرد أرض بل قصيدة لم تكمل بعد ، تتشابك فيها المصالح ، وتتراءى فيها القوى الكبرى كما لو كانت شخوصا تتصارع على لوحة رسمها التاريخ بعناية وبين خيالات موسكو وطموحات أوروبا ، يظل سكانها يتأملون بانتظار فصل جديد ، ربما يكتب لهم الحرية وربما يتركهم أسرى الخرائط مرة أخرى

فعلى الضفة الشرقية لنهر دنيستر ، تقف ” ترانسنيستريا ” ككيان رمادي ، لا هو دولة كاملة ولا مجرد إقليم عابر ، فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات أعلنت استقلالها من طرف واحد لتدخل في حالة وجودية معقدة ب ” كيان بلا اعتراف ، ودولة بلا شرعية دولية ” ، لكنها تمارس كل طقوس الدول بعلم يرفرف ، حكومة تدير ، عملة تتداول ، وجيش صغير يحرس حدودا لا يعترف بها أحد ، فعند حرب 1992م ، ارتبط مصير ترانسنيستريا بروسيا ارتباطا يتجاوز السياسة إلى ما يشبه ” الوصاية “حضور عسكري روسي دائم ، ودعم اقتصادي وسياسي ، ونخبة محلية تنظر إلى موسكو بوصفها الحامي الأخير في عالم متغير ، ومع ذلك يعيش سكان الإقليم واقعا قاسيا من الفقر والعزلة وكأنهم يدفعون ثمن ولاء لم يعد يضمن لهم الازدهار

فعند الجهة الأخرى من النهر ، تميل ” كيشيناو ” عاصمة مولدوفا بثقلها نحو أوروبا ، اي منذ حصول مولدوفا على صفة الدولة المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عام 2022م ، عادت ترانسنيستريا إلى واجهة الصراع لا بوصفها قضية محلية بل كعقدة في معادلة النفوذ بين روسيا والغرب ، وهنا لا ترسم الحدود بالخرائط فقط بل بخطوط الطاقة ، والانتخابات ، والتحالفات الاقتصادية ، فبعد الغزو الروسي لأوكرانيا ، لم تعد ترانسنيستريا بعيدة عن العاصفة ، فقد.حدثت بها تفجيرات غامضة ، توترات أمنية ، وخوف متصاعد من انتقال الحرب إلى هذا الإقليم المنسي ، ومع تعقد إمدادات الغاز الروسي الذي كان شريان الحياة للاقتصاد المحلي ، دخلت المنطقة في أزمة طاقة خانقة كشفت هشاشة الاعتماد على مصدر واحد ، وحولت السياسة إلى عبء يومي على حياة الناس ، وفي هذا الفراغ اصبح الاتحاد الأوروبي يلوح كبديل اقتصادي ، لا بوعد أيديولوجي فقط ، بل بشبكات تجارة وطاقة واستثمارات ايظا ، غير أن الاختيار ليس تقنيا بقدر ما هو وجودي بين ” نزعة أوروبية تعد بالاندماج والاستقرار ، واعتماد روسي قائم على الحماية مقابل العزلة ”

أن الصراع حول ترانسنيستريا ليس نزاعا على إقليم صغير ، بل صراع ممنهج على الاتجاه ، فموقعها الجغرافي على تخوم أوكرانيا وشرق أوروبا يجعلها ورقة استراتيجية بيد موسكو ، وسدا سياسيا يمنع مولدوفا من الانفلات الكامل نحو الغرب ، وفي لحظات الانتخابات تتحول أزمات الغاز والطاقة إلى أدوات ضغط ، تدار بعناية لتوجيه المزاج السياسي داخل مولدوفا ، في المقابل يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تفكيك هذا النفوذ بهدوء عبر دعم الدولة المركزية وتعزيز مؤسساتها وربط اقتصادها بالفضاء الأوروبي ، في محاولة لإعادة رسم ميزان القوة دون مواجهة مباشرة ، وهكذا تبقى ترانسنيستريا عالقة بين مشروعين وهما ” مشروع روسي يرى فيها خط دفاع متقدم في أوروبا الشرقية ، ومشروع أوروبي يعتبرها ظلا لمشكلة أوسع يجب احتواؤها لا الاعتراف بها ” حيث إنها ليست مجرد منطقة انفصالية ، بل مرآة لصراع أكبر  تدار الجغرافيا به كسياسة ، ويختبر مستقبل أوروبا على أطراف خرائطها

وفي النهاية ، تبدو ترانسنيستريا وكأنها سؤال مفتوح أكثر من كونها إجابة سياسية ، حيث إقليم يعيش خارج الزمن الرسمي ، معلق بين سيادة لا تعترف بها ووطن لا يشعر بالانتماء الكامل إليه ، لذلك هنا لا يقاس الصراع بعدد الجنود أو الاتفاقيات ، بل بقدرة الجغرافيا على فرض مصيرها على البشر وبعجز الإنسان عن الهروب من موقعه على الخريطة ، أن ترانسنيستريا تذكير قاس بأن الدول الصغيرة لا تترك لتختار مستقبلها بحرية ، بل تدفع للاصطفاف داخل صراعات أكبر منها ، وبين روسيا التي ترى في الإقليم امتدادا استراتيجيا  وأوروبا التي تراه هامشا يجب إعادة دمجه ، يبقى السكان عالقين في المنتصف ويدفعون ثمن خيارات لم يمنحوا يوما حق صياغتها

يبدو من كل ذاك ان مصير ترانسنيستريا لن يحسم قريبا قريبا لأن النزاعات المجمدة لا تراد لها أن تحل بل أن تبقى ، فبقاؤها معلقة يخدم توازنات القوى أكثر مما يخدم السلام ، لتتحول المنطقة إلى نموذج لعالم ما بعد الحرب الباردة ، عالم لا تنتهي فيه الصراعات ولا تلغى فيه الحدود ، بل يعاد تعريفها باستمرار
وفي هذا المعنى ، ليست ترانسنيستريا استثناء بل نذيرا دليلا على أن أوروبا  رغم خطابها عن الوحدة والاستقرار ما تزال تحمل في أطرافها جراحا مفتوحة تنتظر لحظة أخرى من التاريخ لتنزف من جديد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com