وثائق وحكايات

قصة الاسبوع ” باث عبر عيني إيلينور”

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في باث ، المدينة التي لا تعرف العجلة ولا تعترف بالخطوات المستعجلة ، كانت ” إيلينور هاربر ” تمشي كما لو أنها تعتذر للطريق عن ثقل حضورها ، فحجارة الأرصفة تحت قدميها مصقولة بقرون من العبور الصامت وكل حجر يحمل ذاكرة ، وكل جدار أخفى سر كاتب مر من هنا ثم ذاب في الزمن ، لم تشعر المدينة يوما بأنها تنظر إليها كغريبة ، بل كجملة تأخرت طويلا عن الظهور في كتاب قديم ، جملة وجدت أخيرا مكانها الصحيح

لقد كان استيقاظها طقسا بطيئا ، أشبه بفتح كتاب على مهل ، صفحة بعد صفحة ، نافذتها تطل على صف البيوت الجورجية المتناسقة ، ومصطفة كما لو كانت أبيات شعر كتبت بعناية مفرطة ، الضوء الصباحي لا يقتحم الغرفة ، بل يستأذن وينساب بهدوء فوق مكتبها الخشبي ، يلامس الأوراق البيضاء التي تنتظر بصبر يشبه صبرها ” الكلمة الأولى ” ، فقد كانت تؤمن أن الكلمات طيور خجولة إن رفعت صوتك هربت ، وإن صبرت جاءت وحدها وجلست على كتفك
وُلدت إيلينور هاربر في الثاني عشر من أكتوبر عام 1993م ، في بلدة صغيرة قرب أوكسفورد ، حيث المكتبات أقدم من بعض الشوارع وحيث تعلمت باكرا أن الورق قد يكون أكثر دفئا من البشر ، والدها توماس هاربر ، أستاذ تاريخ متقاعد ، رجل قليل الكلام ويؤمن أن الماضي لا يحفظ في التواريخ ، بل في التفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الجميع ، كان يصحبها طفلة إلى المكتبات العامة يتركها تختار كتابها بنفسها ويكتفي بالمراقبة من بعيد ، كأنه كان يعرف  ويثق أن الكلمات ستختارها يوما ما ، أما والدتها مارغريت هاربر ، فكانت عازفة بيانو سابقة ، توقفت عن العزف الاحترافي لكنها لم تتوقف يوما عن سماع الموسيقى في الأشياء ، ومنها ورثت إيلينور حس الإيقاع في الجملة وقدرتها على جعل النص يتنفس ببطء كما تتنفس مقطوعة موسيقية لا تحب الاستعجال

لقد نشأت إيلينور طفلة وحيدة ، لا بالمعنى الحزين للكلمة بل بالمعنى العميق ، تعلمت مبكرا أن تصادق الصمت ، وأن تملأ فراغه بالقراءة والخيال ، حتى اصبح الصمت رفيقها لا عدوها ، وحين انتقلت إلى ” باث ” في منتصف العشرينات من عمرها ، لم يكن ذلك بدافع العمل أو الشهرة بل لأن المدينة تشبهها ، قديمة دون أن تكون متحجرة ، هادئة دون أن تكون فارغة ، وممتلئة بالحكايات التي لا تروى إلا لمن يحسن الإصغاء ، منذ سنوات المراهقة لم تعرف إيلينور الحب الصاخب ولا العاطفة المعلنة ، لقد كانت علاقاتها بالناس خفيفة وتمر كما يمر نسيم لا يترك أثرا ، لأن قلبها كان حساسا منذ البداية ، هشا أمام الضجيج

في السادسة عشرة من عمرها ، خاضت أول تجربة عاطفية حقيقية مع زميل دراسة في أكاديمية صغيرة قرب أوكسفورد ، كان اسمه وليام كينغ ، شاب فضولي محب للحديث ، يملأ الفراغات بالضحك ، وقد فتنها في البداية ذلك الصوت الذي يحتل المكان ، لكن الصخب الذي هربت منه بدأ يتجسد في شخصه حيث الأصدقاء الكثر والأحاديث التي لا تنتهي والأحلام الكبيرة التي لا تترك مساحة للصمت أو التأمل ، كانت رسائله أشبه بأمواج عالية ، قوية ، غامرة ، لكنها لا تمنحها مساحة لتكون كما هي ، حاولت أن تتكيف أن تبتسم أكثر أن تشارك وأن تواكب الإيقاع ، لكن قلبها لم يحتمل ذلك الضجيج النفسي ، ومع مرور الوقت بدأ تعلقها يتلاشى بصمت كما تتلاشى رائحة زهرة في الريح وانتهت العلاقة بلا عراك ، بلا إعلان ، بلا مشهد أخير ، لكن أثرها بقي ، ومنها تعلمت درسا بسيطا وعميقا وهو ” ليس كل قلبين قادرين على العيش في النسق ذاته من الهدوء ”

منذ ذلك الحين ، بدأ نفور إيلينور من الضجيج العام ومن التزامات العلاقات الصاخبة ومن كل ما يسرق صمتها الداخلي ، اصبحت المدينة بالنسبة لها ليست مجرد ملجأ بل مأوى لعاطفة خافتة لم يكتب لها أن تصرخ ، مكانا يسمع فيه القلب دون أن يشوش ، ومع السنوات أصبحت علاقتها بالعالم الخارجي أشبه بموسيقى خلفية لطيفة لكنها بعيدة ، بينما اصبح صمتها الداخلي المليء بالكلمات غير المعلنة هو صوتها الحقيقي ، فإيلينور هاربر كاتبة متفردة ، لا تقيس نجاحها بعدد القراء ، ولا تهتم بالضوء المسلط ، فكتابتها تشبه باث هذه المدينة العميقة ، الهادئة ، والمليئة بما لا يقال ، فتكتب عن التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد ، عن صوت الماء في الحمامات الرومانية القديمة ، عن الكتب المستعملة التي تفوح منها رائحة أعمار سابقة ، عن المقاعد الحجرية التي جلست عليها أفكار لم تولد بعد ، وعندما تعبر جسر ” بولتني ” تقف قليلا تراقب النهر وهو ينساب بلا استعجال ، وترى فيه مرآتها ، ماء يعرف طريقه دون صراع ، ليصل دون ضجيج ، فقد علمتها المدينة أن السلام ليس غياب الألم بل القدرة على الإصغاء له دون أن يحطمك ، ولهذا أحبتها ولهذا قررت البقاء بها

فالعالم خارج باث ، كل شيء به يصرخ ” الأخبار ، المدن ، الطموحات ، وحتى الأحلام ” أما في باث فالأحلام تكتب بقلم رصاص قابلة للمحو والتعديل ، لقد  كانت إيلينور تؤمن أن الضجيج العالمي يسرق من الإنسان إنسانيته ويحول الروح إلى آلة تسابق الوقت ، وهي لم ترد أن تكون كذلك ، لقد أرادت أن تعيش لا أن تستهلك ، ففي المقاهي الصغيرة حيث الكراسي الخشبية تحمل خدوش السنين كانت تجلس وحيدة دون أن تشعر بالوحدة ، فالوحدة هنا ليست فراغا بل امتلاء هادئ ، تستمع لهمسات الزبائن ، لتقليب الصفحات ، لصوت الملعقة في الفنجان ، وتدرك أن هذه الأصوات الصغيرة أكثر صدقا من ضجيج العالم بأسره

كانت أحيانا تكتب وأحيانا تكتفي بالمشاهدة ، فالمشاهدة شكل آخر من أشكال الكتابة ، فعند الغروب كانت تمشي قرب الحمامات الرومانية حيث يتحول البخار الخفيف إلى شبح زمني وتبدو المدينة كأنها تخرج من حلم قديم ، هناك كانت تشعر أن الزمن ليس خطا مستقيما بل دائرة ، وأن الأدب هو الوسيلة الوحيدة للعبور بين العصور دون أن نفقد ذواتنا ، كان احساسها بأن كل كاتب مر من باث ترك جزءا من روحه ، وأنها دون قصد تجمع هذه الأجزاء لتكتب نصوصها ، وفي ليالي الشتاء حين يطرق المطر النوافذ برفق ، تجلس قرب المدفأة تحت بطانية خفيفة وتكتب بلا خوف ، لا أحد يلاحقها ، لا موعد نهائي ، لا تصفيق ، فقط هي والورق وصمت المدينة الذي يشبه حضنا دافئا

كانت تؤمن أن السلام لا يأتي من الهروب من العالم ، بل من اختيار المكان الذي يسمح لك أن تكون نفسك دون شرح ، فباث مدينة تعرف أن الجمال لا يحتاج إلى استعراض ، وأن الأدب لا يولد في الصخب بل في تلك اللحظة الصافية التي يلتقي فيها الإنسان بنفسه ، وهكذا قررت البقاء لا لأن العالم قاس فحسب ،
بل لأن السلام هنا حقيقي ، يعاش ، ويكتب ، ويظل ، فقد اصبحت باث ليست مجرد مدينة ، بل سؤالا دائما ب : كيف يعيش الإنسان في هدوئه بينما العالم كله يصرخ ؟ وكيف يعرف أن السلام الحقيقي موجود ، إن لم يكن في داخله فقط؟ واختارت إيلينور أن تعيش مع السؤال ، بلا إجابة ، بلا انتظار ، بلا تقييد ، فقط هي وصمتها والورق والماء والزمن ، الذي لا يتوقف عن الانزلاق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com