” من المساءلة الى الاقصاء ” الهان عمر وحدود الديمقراطية الامريكية

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في الديمقراطيات الغربية لا تقاس المعارك السياسية بعدد الأصوات وحدها ، بل بقدرة الخطاب على تحويل الخصومة إلى قضية أخلاقية والاختلاف إلى ملف اتهام ، فالسلطة هناك لا تتحرك دائما عبر القوانين فقط بل عبر السرديات التي تصاغ بعناية ، حيث تستدعى النزاهة حينا ويستثمر الشك حينا آخر ، لتعاد رسم حدود المقبول والمرفوض داخل المجال العام ، وفي هذا السياق المتوتر يعود ” دونالد ترامب ” إلى الواجهة بوصفه لاعبا يتقن إدارة الصراع لا تهدئته ، ويفتح مواجهة جديدة مع البرلمانية “إلهان عمر ” في لحظة سياسية تتجاوز الأشخاص لتلامس أسئلة أعمق حول معنى التمثيل ، وحدود الاختلاف ، ومكان الأقليات داخل النظام الديمقراطي الأمريكي ، فما يبدو ظاهريا تحقيقا في ثروة ونفوذ يخفي في عمقه صراعا على الشرعية ، وعلى من يملك حق الحديث باسم الشعب ومن يسمح له بالبقاء داخل دائرة السلطة دون أن يطالب بتبرير وجوده ، أن هذه المواجهة لا تقرأ فقط كحلقة جديدة في سلسلة الخصومات الأمريكية الداخلية ، بل كمرآة تعكس هشاشة التوازن بين الحرية والمساءلة وبين الديمقراطية بوصفها وعدا نظريا
فمنذ أيام أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضبط إيقاع المشهد السياسي الأمريكي على نبرة أكثر صخبا وحدة ، عبر فتحه جبهة تحقيقات جديدة استهدفت البرلمانية إلهان عمر ، تلك الشخصية التي صعدت من هامش الهجرة إلى صدارة المؤسسة التشريعية الأمريكية ونجحت بجرأة محسوبة في أن تتحول إلى خصم مباشر لترامب وسياساته ، لا سيما في أكثر الملفات حساسية ،
لكن السياسة كما التاريخ لا تعترف بالنوايا وحدها بل بما تخلفه من ارتدادات ، فما لم تحسبه إلهان عمر أو ربما تجاهلته هو أن الصدام مع ترامب لا يبقى في حدود الخطاب بل سرعان ما ينزلق إلى أعماق أكثر ظلمة ، حيث تفكك السير وتنبش الحسابات وتقاس الولاءات بالأرقام لا بالشعارات
أن ترامب الذي لا تكل راداراته عن تعقب خصومه ، بدأ هذه المرة بالتشكيك في ثروة إلهان عمر ، ثروة لم تعد في نظره ” تفصيلا عابرا ” بل ملفا يستحق الضوء والضجيج معا ، خاصة حين يقترن الأمر بزوجها الأمريكي الحاصل هو الآخر على موقع سياسي مهم مما يفتح بابا واسعا أمام سؤال قديم متجدد في عالم السلطة وهو : من أين لك هذا؟ ، أن هذا التصعيد لا يبدو محطة عابرة في مسار المواجهة بل مقدمة لمرحلة أشد قسوة ، فترامب وفق منطقه السياسي لا يلوح بالاتهامات إلا حين يكون مستعدا لإرفاقها بما يعتقد أنه أدلة وإثباتات ، حيث سيعمل على تقيد النفوذ المالي لزوجها ، وتضيق الخناق على حركتها السياسية بل وربما يدفع بها خارج دائرة التأثير داخل النظام الأمريكي ، ففي هذا المشهد يسعى ترامب إلى تسجيل انتصار مزدوج من خلال ” إقصاء خصم سياسي ، وتقديم نفسه مجددا بوصفه كاشفا لما يصفه ب ” استغلال الخطاب الأخلاقي والنزاهة ” لأغراض النفوذ والسلطة ” ، ليبدو المشهد وكأنه تأكيد لقاعدته الأثيرة بأنه لا يقول كلمة إلا ويمنحها في نظر أنصاره على الأقل شرعية كبرى ، ولو كانت مغموسة بالخصومة والرهان السياسي
أن في جوهر هذا الصراع لا تكمن المسألة في شخص إلهان عمر وحدها ، ولا في دونالد ترامب بوصفه خصما سياسيا شرسا ، بل في ذلك التوتر العميق الذي تعيشه الديمقراطية الغربية بين خطاب النزاهة وممارسة السلطة ، فالديمقراطية كما تقدم نظريا تقوم على الشفافية وتكافؤ الفرص ، لكنها في واقعها العملي كثيرا ما تدار بمنطق القوة الناعمة حينا وبسلاح التشهير والتجريد حينا آخر ، وحين تتقاطع السلطة مع الأخلاق يصبح السؤال الفلسفي أكثر إلحاحا في : هل النزاهة مبدأ ثابت ، أم أداة تستحضر فقط لإقصاء الخصوم؟ ، فهذا التصعيد يعيد فتح ملف أوسع يتجاوز الأفراد إلى الجماعات ، ويضع الحضور السياسي للمسلمين في الولايات المتحدة أمام اختبار بالغ الحساسية ، حيث مع كل مواجهة من هذا النوع يتعزز لدى جزء من المؤسسة السياسية والإعلامية ذلك الشك الكامن تجاه السياسي المسلم ، لا بوصفه مواطنا كامل الأهلية بل كاستثناء دائم مطالب بإثبات براءته قبل كفاءته ، وهكذا تتحول النزاهة من معيار عام يطبق على الجميع إلى عبء مضاعف يلقى على كاهل من ينتمي إلى هوية دينية أو ثقافية مختلفة
وفي المرحلة المقبلة قد يؤدي هذا المناخ إلى نتيجتين متناقضتين في آن واحد وهي : من جهة قد يدفع بعض الطاقات المسلمة إلى الانكفاء عن العمل السياسي خشية الوقوع تحت مجهر لا يرحم ، ومن جهة أخرى قد يولد وعيا سياسيا أشد صلابة لدى جيل جديد يدرك أن الوصول إلى مراكز القرار في الديمقراطية الغربية لا يمر فقط عبر صناديق الاقتراع ، بل عبر القدرة على الصمود أمام حملات التشكيك ومواجهة السلطة بأدواتها ذاتها ، ومن هنا تكشف هذه المعركة أن الديمقراطية الغربية ليست فضاء مكتمل العدالة بل ساحة صراع دائم بين المثال والواقع ، فمن يقترب من السلطة يعني بأنه يقترب من الامتحان الأخلاقي ، ومن يخرج عن النسق المألوف يسأل أكثر مما يسائل ، وفي هذا التناقض تتحدد ملامح المرحلة القادمة : إما ديمقراطية تتسع فعلا لاختلاف الهويات ، أو نظام يواصل إعادة إنتاج نخبه تحت لافتة النزاهة وبمنطق الإقصاء المقنع .



