السودان على حافة الانقسام: الدعم السريع تُعلن السيطرة على مقرّ الجيش في الفاشر

كتبت/ دعاء علي: ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥
في تطوّرٍ يُعدّ الأخطر منذ اندلاع الحرب في السودان، أعلنت قوات الدعم السريع صباح اليوم “الأحد” أنها سيطرت على مقرّ قيادة الجيش السوداني في مدينة الفاشر، آخر معقلٍ للقوات الحكومية في إقليم دارفور غربي البلاد.
ولم يُصدر الجيش السوداني أيّ بيانٍ رسميٍّ حتى الآن لتأكيد أو نفي ما أعلنته القوات المتمرّدة.
وتُعدّ الفاشر -عاصمة ولاية شمال دارفور- موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، إذ حاصرتها قوات الدعم السريع على مدى ثمانية عشر شهرًا، مستخدمةً الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة في هجماتها، مما أدّى إلى انتشار المجاعة في المدينة التي ما تزال تحتضن قرابة 250 ألف نسمة.
وأكدت الأمم المتحدة في تقاريرها الأخيرة أنّ قوات الدعم السريع ارتكبت خلال الحصار جرائم متعدّدة ضد الإنسانية، في حين وُجّهت أيضًا اتهامات إلى الجيش بارتكاب فظائع بحقّ المدنيين.
ويُعتبر سقوط الفاشر -إن تأكّد رسميًّا- انتصارًا سياسيًّا وعسكريًّا ضخمًا لقوات الدعم السريع، قد يُعجّل بتقسيم البلاد فعليًّا، عبر تمكينها من فرض السيطرة الكاملة على دارفور، حيث أعلنت في الصيف الماضي عن تشكيل حكومة موازية في الإقليم.
وحذّر ناشطون حقوقيون من أنّ السيطرة على المدينة قد تُشعل هجمات ذات طابعٍ عرقي، كما حدث سابقًا عند سقوط مخيم زمزم جنوبًا، وسط أنباء عن حالات نهبٍ واعتداءاتٍ جنسيةٍ وقتلٍ ارتكبها عناصر الدعم السريع ضد المدنيين على الطرق المؤدية إلى المدينة.
من هي قوات الدعم السريع؟
تعود جذور قوات الدعم السريع إلى عام 2013، حين أنشأها النظام السابق بقيادة عمر البشير تحت ذريعة مكافحة التمرّد في دارفور.
وكان يقودها آنذاك محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي تحوّل لاحقًا إلى أحد أقوى رجال السودان نفوذًا، بفضل التمويل الضخم والهيكل العسكري المستقل الذي امتلكته قواته.
ومع مرور الوقت، تضخّمت هذه القوة حتى أصبحت كيانًا شبه عسكري مستقلًّا ينافس الجيش الرسمي في السلاح والسلطة والنفوذ.
من التحالف إلى الحرب
بعد سقوط نظام البشير في أبريل 2019، تولّى الحكم مجلس عسكري انتقالي ضمّ قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد الدعم السريع حميدتي، في تحالفٍ بدا هشًّا منذ البداية.
ومع تصاعد الخلافات حول دمج الدعم السريع داخل الجيش -وهو شرط أساسي لبناء دولة موحدة- تفجّر النزاع في أبريل 2023، لتبدأ حربٌ مدمّرة قلبت البلاد رأسًا على عقب، وأدخلتها في دوامة من العنف والنزوح والمجاعة.
دارفور.. ساحة مفتوحة للانتهاكات
تحوّلت ولايات دارفور إلى مسرحٍ للحرب المفتوحة.
قوات الدعم السريع استخدمت الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة، فيما ردّ الجيش بقصفٍ جويٍّ مكثّف، بينما ظلّ المدنيون بين نيران الطرفين.
ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، ارتكبت القوات المهاجمة جرائم قتل واغتصاب ونهب على نطاقٍ واسع، خاصة في مناطق النزوح جنوب دارفور.
الشرعية في مواجهة القوة
من الناحية القانونية والدستورية، يُعدّ الجيش السوداني المؤسسة الشرعية الوحيدة المخوّلة بحماية الدولة ووحدتها.
أما قوات الدعم السريع، فبحسب القانون، تُعدّ مليشيا متمرّدة خرجت على سلطة الدولة، رغم أنها كانت في الأصل جزءًا من بنيتها الأمنية.
إلا أنّ ميزان القوة على الأرض اليوم يُظهر واقعًا مختلفًا: دولةٌ منقسمة بين جيشٍ رسميٍّ بلا سيطرةٍ كاملة، وقوةٍ متمرّدةٍ تفرض أمرًا واقعًا بقوة السلاح.
إلى أين تتجه البلاد؟
يرى محللون أن السيطرة على الفاشر تمثّل منعطفًا خطيرًا في مسار الحرب، إذ تُكرّس الانقسام الفعلي بين شرقٍ وشمالٍ تسيطر عليهما القوات الحكومية، وغربٍ يهيمن عليه الدعم السريع.
ومع استمرار العنف، وغياب أي أفقٍ لحلٍّ سياسي، يخشى كثيرون أن يتحوّل السودان إلى دولتين متنازعتين بدلًا من دولةٍ واحدةٍ جريحة.
“بلادٌ تنزف بين جيشٍ ومليشيا، لا تحتاج إلى وساطةٍ بقدر ما تحتاج إلى ضمير”.


