البحث العلمي في مصر.. الطريق إلى ثورة تكنولوجية وصناعية جديدة

بقلم: محمد الشريف
العقل المصري… من الفكرة إلى الابتكار
في عالم تتسابق فيه الأمم على امتلاك المعرفة، يبقى البحث العلمي هو الوقود الحقيقي لأي نهضة صناعية أو تكنولوجية.
في مصر، تتجه الأنظار نحو تعزيز منظومة البحث العلمي لتصبح قاعدة الانطلاق نحو تحقيق “النوهاو” — أي المعرفة التقنية التطبيقية التي تصنع الفرق بين الدول المنتجة والمستهلكة.
تُظهر الإحصاءات الرسمية لعام 2024 أن الإنفاق على البحث العلمي في مصر بلغ 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تتزايد سنويًا، لكنها لا تزال بحاجة إلى مضاعفة لتصل إلى مستويات الدول الصناعية الكبرى التي تتراوح بين 2.5% إلى 4% من الناتج المحلي.

تجارب عالمية ملهمة… كيف نهضت اليابان وألمانيا بالصناعة؟
في اليابان، لا تُترك فكرة علمية واحدة دون أن تجد طريقها إلى السوق.
فخلال العقود الثلاثة الأخيرة، ساهمت الجامعات والمراكز البحثية في خلق أكثر من 60% من براءات الاختراع اليابانية.
أما في ألمانيا، فقد شكّلت مؤسسات مثل Fraunhofer Institute نموذجًا عالميًا في ربط البحث العلمي بالصناعة، حيث يتم تمويل الأبحاث بنسبة 70% من القطاع الخاص لضمان تطبيقها في السوق الواقعي.
في الصين، قادت سياسة “Made in China 2025” ثورة في الصناعات الصغيرة والمتوسطة، فارتفع الإنفاق على البحث العلمي إلى 2.64% من الناتج المحلي، وبلغ عدد الباحثين أكثر من 5 ملايين باحث، ما جعل الصين تتصدر العالم في عدد براءات الاختراع المسجلة سنويًا.

من المختبر إلى المصنع… ربط البحث بالصناعة في مصر
لكي تنطلق مصر نحو ثورة صناعية جديدة، لا بد من تحويل الأبحاث الجامعية إلى مشاريع صناعية قابلة للتطبيق.
تعمل الحكومة المصرية حاليًا من خلال وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على إنشاء مراكز تميز صناعي في مدن مثل برج العرب والعاشر من رمضان، تستهدف تطوير تكنولوجيا محلية تخدم الصناعات الصغيرة والمتوسطة.
وتشير بيانات وزارة التخطيط إلى أن هذه الصناعات تمثل 98% من إجمالي المنشآت الصناعية في مصر وتوظف أكثر من 75% من العمالة الصناعية — ما يجعلها حجر الزاوية في بناء اقتصاد قائم على الابتكار.
النوهاو المصري… سر النهضة الصناعية القادمة
تحقيق “النوهاو” ليس مجرد نقل تكنولوجيا، بل صناعة عقل قادر على إنتاجها.
فاليابان وألمانيا لم تشتريا التكنولوجيا، بل طوروها عبر مراكز بحث وتطوير محلية، تربط الجامعات بالمصانع.
اليوم، تمتلك مصر الكفاءات والموارد والموقع الجغرافي الذي يؤهلها لأن تكون منصة صناعية وتكنولوجية إقليمية، خاصة مع توجه الدولة لدعم التحول الرقمي، والطاقة الجديدة، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع الدقيق.
إن إنشاء صناديق تمويل للأبحاث التطبيقية وربط نتائجها مباشرة بالشركات الصناعية يمكن أن يحوّل مصر إلى مركز إقليمي للابتكار والتكنولوجيا في الشرق الأوسط وأفريقيا.
نحو مصر المستقبل
الطريق نحو الثورة الصناعية المصرية لا يبدأ من الآلات، بل من العقل المفكر في المعمل.
إن الاستثمار في البحث العلمي ليس رفاهية، بل هو شرط للبقاء في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
حين تتكامل الجامعة والمصنع والحكومة والقطاع الخاص في منظومة واحدة، سيكون لمصر مكانها المستحق في خريطة الدول المصدّرة للتكنولوجيا، لا المستوردة لها.



