نزيف المليار دولار.. كيف يهدد استيراد “البليت” قلاع صناعة الصلب في مصر؟

بقلم: أميرة جمال محجوب
تواجه الصناعة الوطنية في مصر تحدياً استراتيجياً غير مسبوق، حيث كشفت أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، وغرفة الصناعات المعدنية لعام 2025، عن خلل هيكلي يهدد قلاع إنتاج الصلب. وتتمثل هذه المفارقة في استمرار استيراد كميات ضخمة من مادة “البليت” (المادة الخام نصف المصنعة)، في وقت تمتلك فيه المصانع المصرية فائضاً إنتاجياً هائلاً يتخطى 3.5 مليون طن.
أرقام وحقائق: مصر الثامنة عالمياً في استيراد “البليت”
أظهرت التقارير قفزة مقلقة في فاتورة الاستيراد تضع الاقتصاد القومي تحت ضغوط كبيرة:
- حجم الاستيراد: استوردت مصر 1.7 مليون طن بليت في عام 2024، لتصبح ثامن أكبر مستورد للمادة عالمياً، متفوقة على قوى اقتصادية مثل الصين وفرنسا.
- نزيف العملة: استنزاف نحو مليار دولار سنويًا من النقد الأجنبي، في وقت ارتفعت فيه قيمة هذه الواردات بـ 12 ضعفاً عما كانت عليه في 2021.
- الطاقة المعطلة: تمتلك مصر طاقة إنتاجية تصل إلى 13.7 مليون طن، بينما الاستهلاك المحلي لا يتعدى 7 ملايين طن، مما يعني أن الاكتفاء الذاتي ليس مجرد هدف، بل هو واقع متاح وبقوة.
اقتصاديات الإنتاج.. لماذا التكامل الصناعي هو الحل؟
توضح لغة الأرقام أن “التصنيع المتكامل” هو الصد المنيع ضد تقلبات الأسعار العالمية وسلاسل الإمداد:
- فجوة التكلفة: إنتاج طن الحديد في مصنع متكامل يوفر 270 دولاراً مقارنة بالاعتماد على البليت المستورد في مصانع الدرفلة.
- القيمة المضافة: التكامل الصناعي يوفر نحو 48% من الفاتورة الاستيرادية، ويحول المصانع من مجرد “ورش درفلة” إلى قلاع صناعية حقيقية تمنح المنتج صفة “المنشأ المصري” قانونياً وفنياً.
تحديات “المنشأ” وشبح الإغراق
لا تتوقف المخاطر عند الجانب المادي، بل تمتد لتشمل:
- أزمة الهوية الصناعية: الحديد المُنتج من بليت مستورد لا تزيد قيمته المضافة عن 15%، بينما يشترط القانون 25% لاعتباره منتجاً مصرياً، مما يحرمه من الامتيازات التفضيلية في الاتفاقيات الدولية.
- المنافسة غير العادلة: تدفق البليت الروسي المسعر بأقل من قيمته العالمية (نتيجة العقوبات) جعل من الصعب على المنتج المحلي الصمود، وأجبر الشركات الوطنية على خفض أسعارها بنسبة 31% عام 2024 لمواجهة هذا الإغراق.
- الأمان الإنشائي: يحذر الخبراء من صعوبة تتبع جودة “الصبة” في البليت المستورد، مما قد يهدد سلامة المشروعات القومية والمنشآت على المدى البعيد.
رؤية مصر 2025-2030: حماية الصناعة الوطنية
تؤكد المعطيات أن تعميق التصنيع المحلي ليس مجرد خيار فني، بل هو استحقاق للأمن القومي الاقتصادي. إن توجيه ميزانية الاستيراد لدعم المكون المحلي سيوفر مليار دولار لخزانة الدولة، ويحمي استثمارات بمليارات الجنيهات، بما يتماشى مع التوجيهات الرئاسية بضرورة توطين الصناعة وحماية المنتج المصري كركيزة أساسية للاستقرار المالي.