خديعة الدرفلة في صناعة الصلب.. لماذا يبقى “الصلب السائل” حجر الزاوية للتنمية السيادية؟

بقلم: رحاب أبو عوف
في قلب السجال الدائر حول مستقبل الصناعة في مصر، يبرز خلط مفاهيمي خطير يهدد مسار التنمية المستدامة؛ وهو الخلط بين “صناعة الصلب المتكاملة” وبين “أنشطة الدرفلة”. هذا التباين ليس مجرد اختلاف في المصطلحات التقنية، بل هو جوهر الفارق بين دولة تمتلك سيادتها الصناعية ودولة تظل رهينة لتقلبات سلاسل الإمداد العالمية.
ما الفارق بين المنتج المتكامل و”الدرفيل”؟
الصناعة الحقيقية تبدأ من نقطة الصفر: إنتاج الصلب السائل وصهر خام الحديد. هذه المرحلة هي التي تُخلق فيها القيمة المضافة الفعلية، حيث تتحول المادة الخام إلى منتج استراتيجي. أما “الدرفلة”، فهي نشاط تكميلي يقتصر على إعادة تشكيل “البيليت” (منتج نصف مُصنّع) غالباً ما يتم استيراده من الخارج.
توصيف دقيق: الفارق بين إنتاج الصلب السائل والدرفلة هو تماماً كالفارق بين “من يزرع القمح” و”من يطحنه”؛ فالسيادة والقدرة الاستراتيجية تكمن في البذرة (الإنتاج الأول)، لا في الحلقة الأخيرة من السلسلة.
مخاطر الاعتماد على “البيليت” المستورد
أوضح التقرير أن الاعتماد الكلي على استيراد “البيليت” يخلق نموذجاً اقتصادياً هشاً يتأثر بـ:
- تقلبات الأسواق العالمية: أي اضطراب في أسعار الخام عالمياً ينعكس فوراً على سعر المنتج النهائي محلياً.
- استنزاف العملة الصعبة: بدلاً من استثمار المليارات في بناء مصانع متكاملة، تذهب السيولة لاستيراد مواد نصف مصنعة.
- تثبيط الاستثمارات الضخمة: الخلط بين المفهومين يظلم المنتج المتكامل الذي يتحمل أعباءً استثمارية وتكنولوجية بمليارات الدولارات، ويشجع على تكدس الاستثمارات في “الحلقات السهلة” سريعة الربح.
التجارب الدولية: الصين وأوروبا نموذجاً
الدول الصناعية الكبرى لا تساوي بين المنتج المتكامل والمنتج الجزئي. ففي الصين وأوروبا، يتم توجيه سياسات الحماية والدعم للحلقة الأهم في سلسلة الإنتاج (الصلب السائل)، باعتبار ذلك تصحيحاً لخلل هيكلي وليس امتيازاً، لضمان استمرارية الصناعة في أوقات الأزمات العالمية.
الفرصة المصرية لبناء سيادة صناعية
تمتلك مصر اليوم فرصة ذهبية، مدعومة بحجم الطلب المحلي الهائل والمشروعات القومية الكبرى، للانتقال الكامل نحو “الصناعة المتكاملة”. إن السيطرة على إنتاج الصلب السائل تعني التحكم في القرار الاستثماري وتأسيس قاعدة تنموية تمتد لعقود، مما يقلل الفجوة الاستيرادية ويعزز من قوة الجنيه.
رأي “مصر مباشر” الفني:
إن الانحياز للإنتاج الحقيقي (الصلب السائل) ليس رفاهية، بل هو ضرورة استراتيجية قصوى. الدول التي تكتفي بإعادة تشكيل المواد المستوردة تظل اقتصادياتها “تابعة”، بينما الدول التي تستثمر في امتلاك التكنولوجيا والمواد الخام هي التي تقود المستقبل وتتحمل صدمات السوق.