حكايات

التراويح في قلب تايمز سكوير ” تسامح يضيء قلب المدن

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتزايد فيه مسافات الاختلاف بين الشعوب والثقافات تبرز بعض المشاهد الإنسانية لتعيد التذكير بأن ما يجمع البشر أعمق مما يفرّقهم ، ومع حلول شهر رمضان المبارك تتجلى معاني الروحانية والتسامح في صور تتجاوز حدود الجغرافيا والدين لتعبر عن قدرة الإنسان على التعايش والاحترام المتبادل ، وفي قلب مدينة عالمية مثل ” نيويورك ” وتحديدا في ساحة ” تايمز سكوير ” تتحول صلاة التراويح من شعيرة دينية إلى رسالة حضارية تجسد جمال التنوع وتؤكد أن الإيمان حين يقترن بالانفتاح يصبح جسرا للتقارب بين الشعوب لا حاجزا بينها

ففي كل عام ومع حلول شهر رمضان يتكرر مشهد يحمل في طياته معاني أعمق من مجرد أداء شعيرة دينية ، ففي ساحة مفتوحة وسط أضواء المدينة الصاخبة يقف المئات متراصين في خشوع يؤدون صلاة التراويح في ميدان ” تايمز سكوير ” أحد أكثر الأماكن ازدحاما وتأثيرا في العالم ، حيث تتقاطع الثقافات واللغات والوجوه القادمة من كل بقاع الأرض ويتحول المكان إلى مساحة صمت روحي وإلى رسالة إنسانية تتجاوز الحدود

أن هذه العادة الرمضانية ليست مجرد تجمع للمسلمين في المهجر ، بل هي تعبير حي عن حضور الإيمان في قلب الحياة اليومية ، وعن قدرة الروح على أن تصنع لحظة سلام وسط ضجيج هذا العالم ، فبذلك المشهد لا يرى المارّون طقسا غريبا بل لوحة إنسانية عنوانها ” السكينة ، والانتماء ، والتعايش ” ، لإن إقامة صلاة التراويح في فضاء عام بهذا الحجم تحمل دلالة عميقة على قيمة الحرية الدينية وعلى أن المجتمعات المتعددة يمكن أن تكون أكثر ثراء عندما تحتضن اختلافاتها بدل أن تخشاها ، فالتسامح لا يعني مجرد قبول الآخر على مضض ، بل الاعتراف بحقه في أن يكون كما هو وأن يعبر عن إيمانه وثقافته وهويته دون خوف أو إقصاء ، وفي المقابل فإن هذا الحضور الروحي يقدم صورة حضارية عن الإسلام ، صورة تقوم على السلام والطمأنينة والانضباط والجماعة ، بعيدا عن الصور النمطية أو الأحكام المسبقة ، فالمشهد ذلك لا يخاطب المسلمين وحدهم بل يوجه رسالة إلى الإنسانية جمعاء بأن الإيمان مهما اختلفت طرق التعبير عنه يلتقي دائما عند قيم الرحمة والخير والتقارب بين البشر ، فرمضان في جوهره ليس شهر عبادة فحسب بل موسم لإحياء القيم الإنسانية الكبرى من : الصبر ، العطاء ، التعاطف ، وكسر الحواجز النفسية بين الناس ، فعندما تقام التراويح في قلب مدينة عالمية فإنها تتحول من شعيرة إلى جسر ثقافي يقرب بين الشعوب ، ويذكر بأن التنوع ليس تهديدا للوحدة بل طريقا إليها

إن العالم اليوم وهو يواجه موجات من الانقسام وسوء الفهم بحاجة إلى مثل هذه المشاهد التي تعيد التذكير بحقيقة بسيطة وعميقة وهي : أن الإنسان قبل أي انتماء آخر هو كائن يبحث عن المعنى والسلام ، وحين يجتمع الناس على قيم الاحترام المتبادل يصبح الاختلاف مصدر غنى لا سببا للصراع ، ومن ذلك تكون صلاة التراويح في قلب المدينة المضيئة أكثر من لحظة عابرة ، إنها شهادة على أن روح رمضان قادرة على أن تمتد خارج المساجد والبيوت لتصل إلى الشوارع والساحات ، حاملة معها رسالة عالمية مفادها : أن التسامح هو الطريق الأقصر إلى التعايش ، وأن احترام إيمان الآخر هو أحد أسمى أشكال إنسانيتنا المشتركة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى