” سيسيرو ” من قمة النفوذ الى عتبة القدر

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في عالم تقاس فيه القيمة بالأرقام وتوزن المكانة بحجم الثروة والنفوذ ، تبرز أسماء تظن أنها تجاوزت حدود البشر العاديين ، وأنها استطاعت أن تصنع لنفسها قدرا مختلفا عن الآخرين ، أسماء تحيط بها الهيبة وتنسج حولها هالة من ” القوة ” حتى يخيل لمن يسمعها أن أصحابها يملكون مفاتيح المصير ، ومن بين تلك الأسماء برز اسم الملياردير البرازيلي ” سيسيرو ” الرجل الذي لم يكن مجرد ثري فقط بل كان رمزا للسطوة الاقتصادية والنفوذ الواسع ، حيث سيطر على قطاعات حيوية كبرى وامتدت إمبراطوريته عبر مجالات التجارة والصناعة حتى أصبح اسمه يذكر مقرونا ” بالهيبة ” وأحيانا بالخوف
لقد كان سيسيرو يؤمن بأن المال قوة مطلقة ، وأن النفوذ حصن لا يخترق وأن من يملك الكثير يملك القدرة على التحكم في كل شيء ، غير أن الحياة كما تعلمنا مرارا لا تدار بمنطق الثروة ولا تخضع لقوانين السلطة ، فهناك لحظات صامتة تختبر الإنسان لا فيما يملك بل فيما يكون عليه ، ومن هنا ابتدأت حكاية سيسيرو ، حكاية رجل ظن أنه بلغ القمة قبل أن تعلمه الأيام أن للسماء ميزانا لا يختل ، فقد كان يعتقد أن الحياة سلما وأنه قد بلغ آخر درجاته ، فلم يكن المال عنده وسيلة بل تعريفا للوجود ، فقد كان يمضي بثقة من يظن أن العالم لا يسير إلا بإرادته ، وأن الأبواب تفتح لأن اسمه يذكر ، وأن الزمن نفسه لا يجرؤ على معاندته
لم يكن سيسيرو يخش الخسارة لأنه لم يعرف معنى الفقد ، لانه كان يرى الأشياء أرقاما ، والناس أدوات ، والأخطاء الصغيرة ذنوبا لا تغتفر ، وفي داخله كان ينمو ذلك الصوت الخفي في : أنت فوق الجميع ، وعندما يبلغ الإنسان هذه المرحلة يبدأ الامتحان الحقيقي ، فلم تأت الضربة له من سوق انهار ولا من صفقة خاسرة ولا من منافس أقوى ، بل جاءت من حيث لا تنفع الحماية ولا يجدي النفوذ ، جاءت من ” قلبه ” عندما اختفت ابنته ، هنا سقط أول أوهامه ، فلم يعد المال بالنسبة له دليلا ولا السلطة طريقا ولا النفوذ وسيلة ، حيث أخذ يبحث عنها كما يبحث أي أب مكلوم بلا حراسة ولا هيبة ولا قوة
حينها فقط أدرك الحقيقة الأولى وهي : أن الإنسان مهما امتلك يظل ضعيفا أمام ما يحب ، وفي غيابه طيلة فترة بحثه عن ابنته تهاوت إمبراطوريته وخانه أقرب الناس إليه ، وتلاشت أمواله وتبددت شركاته ، غير أن ذلك لم يكن سقوطه الحقيقي ، كان السقوط الحقيقي في تلك اللحظة التي أدرك فيها أن الحياة قادرة على أن تسلب الإنسان كل شيء في لحظة واحدة ، لا لأنه ضعيف بل لأنه ظن نفسه أقوى مما ينبغي ، فعندئذ لم ينهر ماله وحده بل انهارت الصورة التي كان يرسمها لنفسه ، اختفى الرجل الذي كانت الأسماء ترتجف عند ذكره ، وبقي إنسان تائه يسير في الطرقات بلا ذاكرة ولا معنى ولا هوية
ومن ذلك تكشف لنا الحياة أحد أسرارها العميقة في أن العدالة ليست دائما في معاقبة الإنسان بل في تعريفه بحقيقته ، فالسماء لا تحتاج إلى أن تهزم المتكبرين ، يكفيها أن تنزع عنهم وهم السيطرة ، لان المال لا يصنع قدرا ، والنفوذ لا تحمي قلبا ، والقوة التي لا تعرف الرحمة تحمل في داخلها بذور فنائها ، فإن أخطر ما قد يصيب الإنسان ليس الفقر ولا الخسارة ولا السقوط ، بل ذلك الشعور الخفي بأنه أكبر من الآخرين وأحق منهم وأرفع شأنا ، فالحياة قادرة في لحظة واحدة على أن تعيد الجميع إلى نقطة البداية وهي : نقطة الضعف الإنساني
ليبقى للإنسان في الأخير ليس ما جمع ، بل ما كان عليه حين امتلك القوة : هل كان رحيما ؟ هل كان متواضعا ؟ هل كان يرى في الناس بشرا أم درجات دونه؟ ،
فالتواضع ليس مجرد خلق اجتماعي بل هو فهم عميق لطبيعة الحياة في أن ما تملكه مؤقت ، وأن حقيقتك هي ما يبقى عندما يزول كل شيء ، وهكذا تمضي سنن الحياة في صمت يرتفع من يشاء ويهبط من يشاء ، لكن الدرس يظل واحدا وهو : كلما اقترب الإنسان من السماء بكبره ، أعادته إلى الأرض ليتعلم أن العظمة الحقيقية لا تسكن القمم ، بل تسكن القلوب المتواضعة .


