وثائق وحكايات

” من تكساس الى كيبيك ”  حين يصبح الانفصال فكرة مشروعة

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

فيما تبدو الدول الكبرى كيانات مستقرة يصعب تصور تفككها ، تشير التجربة التاريخية إلى أن قوة الدول لا تقاس فقط بحجم اقتصادها أو قدراتها العسكرية ، بل بمدى تماسكها الداخلي وثقة مكوناتها ببعضها البعض ، ومع تصاعد الجدل حول احتمال استقلال ” تكساس ” عن الولايات المتحدة وعودة النقاش حول انفصال ” كيبيك ” داخل كندا ، يبرز سؤال أعمق من الجدل السياسي اليومي وهو : متى يتحول الخلاف السياسي إلى مشروع انفصال؟ ومتى يفقد الاتحاد قدرته على إقناع أطرافه بجدوى الاستمرار فيه؟

فالدول الكبرى تبدو كيانات راسخة يصعب زعزعتها ، لكنها مثل أي بناء سياسي تعتمد في استمراريتها على توازن داخلي دقيق ، لأن التفكك لا يحدث عادة نتيجة ضغط خارجي مباشر بل يبدأ عندما يتراجع الشعور بالمصير المشترك داخل الدولة نفسها ، فالاتحاد السوفيتي لم يسقط يوما بسبب غزو عسكري خارجي بل سقط نتيجة لتراكم أزمات داخلية سياسية واقتصادية وازمات هويات متشعبة ، حيث جمهورياته لم تطالب بالاستقلال فجأة بل بعد سنوات من تزايد الشعور بأن المركز لم يعد يمثلها بالشكل الكافي ، ومع تراجع الثقة تحولت ” الفيدرالية ” من إطار تنظيمي إلى عبء سياسي ثم انهار الاتحاد خلال فترة زمنية قصيرة مقارنة بعمره التاريخي

أن المقارنة بين ذلك النموذج والولايات المتحدة أو كندا ليست مقارنة مباشرة من حيث الظروف أو البنية ، لكن الفكرة الأساسية واحدة ، فالاتحادات تضعف عندما يتآكل الإيمان بشرعيتها الداخلية ، فالدولة الحديثة تقوم على عقد اجتماعي تتنازل بموجبه الأقاليم أو الولايات عن جزء من صلاحياتها مقابل مزايا الاستقرار والحماية والازدهار ، لكن هذا العقد يظل قائما ما دام ينظر إليه على أنه عادل ومتوازن ، فإذا شعرت منطقة ما أن مصالحها أو هويتها لا تجد تمثيلا كافيا يبدأ النقاش حول جدوى الاستمرار ، فقد تتساءل تكساس باعتبارها ولاية ذات ثقل اقتصادي عن مدى انسجام سياساتها المحلية مع السياسات الفيدرالية ، وقد ترى كيبيك أن خصوصيتها اللغوية والثقافية تحتاج إلى حماية أوسع ، وهذه الأسئلة مشروعة ضمن الإطار الديمقراطي لكن تكرارها وتحولها إلى خطاب سياسي دائم قد يؤدي إلى تطبيع فكرة ” الانفصال ” كخيار اعتيادي

أن المشكلة لا تكمن فقط في احتمال انفصال إقليم بعينه بل في السابقة التي يخلقها ذلك ، فإذا أصبح الانفصال حلا مقبولا لكل خلاف سياسي فإن أي اتحاد سيتحول إلى كيان هش قابل لإعادة التفاوض المستمر ، ما يضعف استقراره على المدى الطويل ، رغم ان كثيرون يرون أن قوة الاقتصاد والمؤسسات في أمريكا الشمالية تجعل التفكك احتمالا ضعيفا غير أن التجارب التاريخية تشير إلى أن القوة المادية وحدها لا تكفي إذا تراجعت الثقة السياسية ، فحين يضعف الشعور بالمصير المشترك يتحول كل إقليم إلى وحدة تفكير مستقلة ويصبح من السهل تصور مستقبله خارج الإطار الاتحادي ، كما أن الانفصال حتى إن تم بوسائل قانونية وسلمية لا يخلو من تحديات معقدة في توزيع الديون ، إعادة تنظيم العلاقات التجارية ، تحديد وضع الموارد ، وإعادة صياغة التحالفات الدفاعية ، لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط : هل يمكن الانفصال؟ بل : ما كلفته الاقتصادية والسياسية والأمنية على المدى البعيد؟

وفي النهاية الاتحادات لا تستمر بقوة القانون وحده بل بقدرتها على تجديد معناها المشترك ، فإذا عجزت الدولة عن تطوير عقدها الداخلي بما يتناسب مع تحولات المجتمع فإنها تدخل مرحلة من ” الهشاشة ” السياسية ، فالتاريخ لا يكرر نفسه بشكل حرفي لكنه يبين أن أي اتحاد يفقد مبرراته الداخلية يصبح عرضة لإعادة التشكل ، سواء عبر الإصلاح أو عبر التفكك .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى