” الجزيرة المظلمة ” معاناة كوبا بين السياسة والإنسانية

كتبت / دعاء هزاع الجابري
حين ينظر المرء إلى خارطة العالم تبدو ” كوبا ” جزيرة هادئة تحيط بها مياه الكاريبي الزرقاء ويتخللها نسيم البحر البارد ، لكن وراء هذا السطح الهادئ هناك أزمة تتسلل بصمت إلى حياة الناس ، أزمة تتجاوز الإحصاءات والبيانات الرسمية ، أزمة تتحدث عن فقدان الطاقة والغذاء والأمل ، فتحذيرات ” الأمم المتحدة ” لم تعد مجرد كلمات على ورق ، إنها صرخات في صمت قلب هذا العالم ، بأن كل يوم يمر هنا في هذه الجزيرة يزيد من ثقل المعاناة ويطيل ظل اليأس على سكانها
أن الأزمة الإنسانية في كوبا هي أكثر من نقص في الوقود والطاقة ، إنها مرآة تعكس هشاشة حياة البشر حين تتقاطع السياسة مع الاقتصاد والقرارات الدولية مع المصائر الفردية ، فالجزيرة التي لم تهدأ يوما أمام العواصف التاريخية تجد نفسها اليوم مضطرة لمواجهة عاصفة من صنع الإنسان ، ليست رياحها جسدية بل اقتصادية وسياسية تهدد كل جانب من جوانب الحياة اليومية من حيث المستشفيات التي تكافح للحفاظ على المرضى ، إلى الشبكات المائية التي تتذبذب بين الانقطاع والتقنين ، مرورا بالأسواق التي بدأت تتخلى عن المواد الغذائية الأساسية ، لتتسلل الفلسفة هنا وتسأل : ما معنى العيش في عالم تتوقف فيه الأمور الأساسية؟ ومتى يصبح الحق في الغذاء والماء والكهرباء مجرد حلم بعيد؟ ، فالأمم المتحدة لا تحذر فقط من الأزمة نفسها بل من الأثر الفلسفي العميق على الإنسان ، على شعوره بالاستقرار وأمانه النفسي وإيمانه بالعدالة في عالم يبدو فيه البعض قادرين على التحكم بمصائر الآخرين بمكابح سياسية أو اقتصادية
إن ما يحدث في كوبا يعيدنا إلى تساؤلات أقدم في مفهوم العدالة الإنسانية والكرامة والمسؤولية المشتركة للبشرية ، فالمعاناة هنا ليست محلية فقط بل هي صرخة أخلاقية عالمية في كل شارع مظلم وفي كل مستشفى تكافح ، لذلك هناك دعوة صامتة إلى المجتمع الدولي لإعادة النظر في موازين القوة والسياسة، وإعادة بناء جسور الرحمة والإنسانية ، لان هذه الأزمة تكشف هشاشة الاعتماد على أنظمة مركزية ومعقدة وتجبرنا على مواجهة واقع أن القرارات البعيدة يمكن أن تكون كارثية على الأرض ، وهي تذكير فلسفي بأن الحرية الحقيقية للإنسان لا تقاس فقط بالسيادة على أرضه بل بالقدرة على الوصول إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة
وفي قلب هذه الأزمة يبقى السؤال الأكبر : هل ستتمكن الإنسانية من الاستجابة ؟ أم سنظل نشاهد صمتها أمام معاناة الآخرين؟ ، فتحذيرات الأمم المتحدة ليست مجرد تقارير ، إنها اختبار لمفهومنا عن التضامن وعن مسؤوليتنا تجاه حياة الإنسان أينما كان ، فكوبا اليوم ليست مجرد جزيرة تواجه نقص الوقود ، إنها رمز للتقاطع بين السياسة والوجود الإنساني ودعوة صامتة للفكر وأيقونة لمعركة الكرامة والإنسانية في زمن تتلاشى فيه الحدود بين القوة والرحمة ، لنتذكر في كل يوم يمر بذلك بأن التاريخ لا يرحم من يغفل عن معاناة الآخرين ، وأن كل قرار سياسي يحمل في طياته حياة أو موتا ، أملا أو يأسا ، للإنسان الذي لا يعرف منطق السياسة سوى الألم والصبر .



