وثائق وحكايات

” بين التاريخ والدبلوماسية ” كاثرين بيغار على رأس الثقافة الفرنسية

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في لحظة يتسارع فيها التغيير السياسي والثقافي عالميا ، يكتسب تعيين وزيرة للثقافة في ” فرنسا ” بعدا يتجاوز مجرد إدارة وزارة ، فمع وصول ” كاثرين بيغار ” إلى هذا منصب ” وزيرة الثقافة الفرنسية ” تتقاطع الخبرة الإدارية العميقة مع رؤية استراتيجية للثقافة ، لتصبح وزارة الثقافة أداة نفوذ لا مجرد حقيبة حكومية ، أن هذا التعيين يطرح سؤالا محوريا وهو : هل تتجه فرنسا نحو الحفاظ على إرثها الكلاسيكي التقليدي ، أم نحو استخدام الثقافة كقوة ناعمة لتعزيز حضورها الدولي؟

فحين يعين اسم مثل كاثرين بيغار على رأس وزارة الثقافة في فرنسا فالأمر لا يقرأ باعتباره مجرد تعديل وزاري تقني بل إشارة سياسية ذات دلالة أعمق ، فوزارة الثقافة في فرنسا ليست حقيبة ثانوية إنها إحدى أدوات القوة الناعمة التي شكلت هوية الجمهورية الخامسة منذ عهد ” شارل ديغول ” وترسخت مؤسساتيا مع وزير الثقافة الأشهر ” أندريه مالرو ”

لقد خلفت بيغار الوزيرة السابقة ” رشيدة داتي ” التي مثلت حضورا سياسيا صداميا وإعلاميا واضحا ، أما بيغار فخلفيتها ليست حزبية تقليدية بقدر ما هي إدارية صحفية مؤسساتية ، لذلك هذا الاختيار يعكس توجها مختلفا من حيث تقليل الطابع السياسي الصاخب للوزارة وتحويل الثقافة من ساحة سجال أيديولوجي إلى ملف إدارة استراتيجية وتعزيز الطابع التقني الهادئ بدل المواجهة الخطابية ، بمعنى آخر يبدو أن الرئاسة الفرنسية تريد وزارة ثقافة تدار بعقل إداري لا بصوت سياسي مرتفع

إن خبرة بيغار الطويلة في إدارة قصر ” فرساي ” ليست تفصيلا عابرا ، ففرساي ليس مجرد موقع أثري ، إنه رمز الدولة الفرنسية وتاريخها الملكي والجمهوري في آن معا ، فإدارتها للموقع لأكثر من عقد تعني خبرة في جذب التمويل الخاص دون التفريط بالهوية التاريخية وإدارة مؤسسة ثقافية كبرى ضمن شبكة علاقات دولية وتحويل التراث إلى قوة اقتصادية وسياحية مستدامة ،  كما أن عملها في مشروع ” العلا ” يعكس بعدا جديدا في ” الثقافة كدبلوماسية موازية ” ليتقاطع هنا دورها مع رؤية الرئيس الفرنسي” إيمانويل ماكرون ” الذي يرى في الثقافة أداة لتعزيز النفوذ الفرنسي عالميا ، خصوصا في الشرق الأوسط وأفريقيا ، فالتحول الاستراتيجي الأعمق قد لا يكون سياسيا صرفا بل اقتصاديا رقميا ، لأن المنصات العالمية مثل ” نيتفيلكس ” تعيد تشكيل المشهد السمعي البصري ، والمتاحف من جهة اخرى تواجه ضغط السياحة المفرطة الى جانب تراجع الدعم العام ، أما الفنون المستقلة فتطالب بمساحات أكبر في ظل تقشف محتمل ، وتعيين شخصية ذات خبرة إدارية طويلة قد يعني أن المرحلة القادمة ليست مرحلة توسع ثقافي رمزي بل إعادة هيكلة هادئة تضمن الاستدامة

لذلك يمكن قراءة التعيين على مستويين الاول : تحول تكتيكي يتمثل في تهدئة الساحة الثقافية داخليا وتخفيف الطابع السياسي الصدامي ، والثاني : تحول استراتيجي أعمق يقوم على إعادة تعريف الثقافة الفرنسية كأداة نفوذ دولي واقتصادي لا كحقل أيديولوجي داخلي فقط ، فإذا صح الاحتمال الثاني فنحن أمام انتقال من ثقافة الهوية إلى ثقافة القوة الناعمة

إن فرنسا اليوم ليست في أزمة ثقافة بل في أزمة تعريف لدورها الثقافي في عالم متغير ، فهل ستبقى الثقافة الفرنسية مشروعا دفاعيا يحمي الإرث الكلاسيكي؟ أم ستتحول إلى مشروع هجومي ناعم يعيد تصدير النموذج الفرنسي عالميا؟ ، فتعيين كاثرين بيغار يوحي بأن الدولة الفرنسية تميل إلى الخيار الثاني وهو : إدارة دقيقة ، حضور دولي أوسع ، وتسييس أقل ظهورا لكن بعمق سياسي كبير في الجوهر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى