كيف تتحول نيران الحروب الإقليمية إلى موجات غلاء في السوق المصري؟

بقلم: رحاب أبو عوف
في تحليل دقيق للمشهد الراهن، كشف الدكتور هاني قداح، الخبير الاقتصادي، عن “ميكانيكا التأثير” التي تربط بين الصراعات العسكرية في الشرق الأوسط وحياة المواطن المصري اليومية. وأوضح أن الاقتصاد المصري، ورغم صموده، يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع تداعيات الحروب عبر قنوات متشابكة تبدأ من براميل النفط في الخليج وتصل إلى رغيف الخبز وسعر الصرف في القاهرة.
قنوات التأثير: من مضيق هرمز إلى قناة السويس
حدد الدكتور قداح أربعة محاور رئيسية يتسرب من خلالها تأثير الصراع إلى الداخل المصري:
- صدمة الطاقة: تعد منطقة الخليج وإيران خزان النفط العالمي؛ وأي تهديد للملاحة في مضيق هرمز يعني قفزة فورية في أسعار النفط لتتجاوز حاجز الـ 110 دولارات للبرميل. هذا الارتفاع يرفع مباشرة تكلفة استيراد الوقود في مصر، ويخلق ضغوطاً تضخمية ترفع أسعار النقل والإنتاج.
- شريان قناة السويس: مع مرور 15% من التجارة العالمية عبر القناة، فإن أي اضطراب في باب المندب أو البحر الأحمر يدفع السفن لاتخاذ طرق بديلة أطول وأكثر تكلفة. هذا لا يقلل فقط من الإيرادات الدولارية المباشرة، بل يرفع تكاليف التأمين البحري على الشحنات المتجهة للموانئ المصرية.
- فاتورة الغذاء والمستوردات: تصاعد التوترات يرفع تكلفة الشحن والتأمين عالمياً، ومصر كونها مستورداً رئيساً للحبوب والسلع الأساسية، تجد نفسها أمام “تضخم مستورد” يطال أسعار الغذاء والدواء والإلكترونيات.
- الضغط على الجنيه والذهب: يميل المستثمرون في الأزمات للهروب نحو “الملاذات الآمنة” كالذهب والدولار، مما يؤدي لخروج الاستثمارات من الأسواق الناشئة ويضع الجنيه المصري تحت ضغوط إضافية أمام العملة الصعبة.
خط الدفاع الأول: الإنتاج المحلي والاحتياطيات
واختتم الدكتور هاني قداح تصريحاته بالتأكيد على أن حجم التأثير على مصر مرهون بـ “أمد الصراع” ونطاقه الجغرافي. وشدد على أن تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد يمثلان حائط الصد الحقيقي للاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن الإدارة الذكية للاحتياطيات النقدية والسلعية هي التي ستحدد قدرة الدولة على امتصاص هذه الصدمات الخارجية المتلاحقة.
تحليل المشهد:
تثبت الأزمات المتلاحقة في المنطقة أن “الأمن القومي الاقتصادي” يبدأ من الداخل؛ فبقدر ما تنجح مصر في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعظيم الموارد المحلية من طاقة وغذاء، بقدر ما تصبح محصنة ضد رياح الحروب التي تهب من الخارج. إن المرونة في السياسات النقدية وتوسيع القاعدة الإنتاجية هما الضمانة الوحيدة للحفاظ على استقرار الأسواق وحماية القوة الشرائية للمواطنين.