وثائق وحكايات

ولد فى مثل هذا اليوم الكاتب المصرى ابو السعود الابيارى

ولد فى مثل هذا اليوم الكاتب المصرى ابو السعود الابيارى

كتب محمد عبد الطيف بدوي
أبو السعود الإبياري اسم لامع في سماء الفن المصري، جمع بين الموهبة الفذة والإنتاج الغزير والقدرة على ملامسة وجدان الجمهور ببساطة وصدق. وُلد في بدايات القرن العشرين في حي شعبي بالقاهرة، فشب قريباً من الناس وهمومهم، واستطاع أن يحول تلك الخبرة الحياتية إلى أعمال فنية خالدة تركت بصمة عميقة في تاريخ السينما والمسرح المصريين. كان عاشقاً للكلمة منذ صغره، يكتب الشعر والزجل والمقال، قبل أن يتجه إلى عالم المسرح والسينما حيث وجد المساحة الأرحب لتجسيد أفكاره ومشاعره.
بدأ الإبياري مسيرته الفنية ككاتب زجلي، ثم عمل في الصحافة، ووجد في الكلمة الساخرة وسيلة للتعبير عن واقع المجتمع بلغة قريبة من القلب والعقل معاً. سرعان ما جذبته أضواء المسرح، فانضم إلى فرقة نجيب الريحاني، وهناك اكتشف قدرته على كتابة المسرحيات الكوميدية التي تجمع بين الذكاء والطرافة، وتعالج في عمقها قضايا اجتماعية وإنسانية. كان يرى أن الضحك وسيلة للتفكير، فكتب نصوصاً تمزج بين النقد والمرح، وبين السخرية والوعي، بأسلوب سلس بعيد عن التعقيد أو الافتعال.
مع تطور السينما المصرية، انتقل الإبياري إلى كتابة السيناريو، فصار واحداً من أعمدة هذا الفن. تعاون مع كبار نجوم الكوميديا مثل إسماعيل يس، فكوّنا معاً ثنائياً فنياً من أنجح ما عرفه الفن العربي. كتب له سلسلة طويلة من الأفلام التي صنعت جزءاً كبيراً من ذاكرة السينما المصرية، مثل أفلام “إسماعيل يس في الجيش” و”إسماعيل يس في البوليس” وغيرها، حيث قدم من خلالها كوميديا الموقف والشخصية بذكاء فني فريد، مستلهماً الواقع المصري في أبسط تفاصيله.
تميزت كتاباته بخفة ظل نادرة، لكنها لم تكن سطحية، إذ كان يضمر في أعماله نقداً اجتماعياً دقيقاً، يطرح من خلاله قضايا مثل الفقر، والبيروقراطية، والتحولات الاجتماعية، في إطار من الفكاهة الراقية. كان قادراً على أن يضحك الناس وفي الوقت نفسه يجعلهم يتأملون، وهو ما جعله محبوباً لدى الجماهير والنقاد على حد سواء. أما لغته فكانت تمزج بين العامية السلسة والمفردات الفصيحة، مما منح حواره بعداً موسيقياً جذاباً وسهولة في الوصول إلى كل المستويات الثقافية.
لم يكن الإبياري مجرد كاتب كوميدي، بل كان مؤلفاً شاملاً يمتلك خيالاً درامياً واسعاً، كتب للمسرح والسينما والإذاعة، ونجح في كل مجال خاضه. كما خاض تجربة الإنتاج الفني، وشارك في إخراج بعض أعماله، ما يدل على فهمه العميق لصنعة الفن من جميع جوانبها. في شخصيته اجتمع الكاتب المبدع والمنتج الواعي والمثقف القريب من جمهوره.
كان يؤمن بأن الفن رسالة، وأن الكلمة المسؤولة قادرة على تغيير المجتمع، لذلك ظل طوال حياته محافظاً على احترامه لفنه وجمهوره. ورغم أنه عاش في فترة ازدحمت بالأسماء اللامعة، إلا أنه تميز بإنتاجه الغزير الذي تجاوز مئات المسرحيات والأفلام، محتفظاً دائماً بروحه البسيطة وصدق تعبيره.
رحل أبو السعود الإبياري عام 1969 بعد مسيرة حافلة بالعطاء، لكنه ترك وراءه تراثاً ضخماً لا يزال يُعرض ويُضحك الناس حتى اليوم. بقيت أعماله شاهدة على زمن الفن الجميل، حين كانت الكلمة تنبع من القلب وتصل إلى القلب، وحين كان الكاتب يضع فنه في خدمة الإنسان قبل الشهرة. وفي كل سطر من كتاباته يعيش الإبياري مخلصاً لفكرته الأولى: أن الفن رسالة إنسانية كبرى، وأن البساطة حين تمتزج بالموهبة تصنع الخلود.

ولد فى مثل هذا اليوم الكاتب المصرى ابو السعود الابيارى
ولد فى مثل هذا اليوم الكاتب المصرى ابو السعود الابيارى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com