ولد فى مثل هذا اليوم الشاعر الباكستانى محمد اقبال
ولد فى مثل هذا اليوم الشاعر الباكستانى محمد اقبال
كتب محمد عبد الطيف بدوي
محمد إقبال شاعر وفيلسوف ومفكر مسلم ترك بصمة عميقة في الوجدان الإسلامي الحديث، فهو لم يكن مجرد شاعر يتغنى بالعواطف أو الجمال، بل كان صاحب رسالة فكرية وروحية أراد بها إيقاظ أمته من سباتها ودفعها نحو النهضة. وُلِد في مدينة سيالكوت عام 1877 في أسرة متدينة، وتلقى تعليماً تقليدياً في صغره ثم درس الفلسفة والآداب في لاهور، قبل أن يسافر إلى أوروبا لاستكمال دراسته في كامبريدج وميونيخ. هناك تأثر بالفكر الغربي الحديث لكنه لم يذُب فيه، بل عاد إلى جذوره الإسلامية بثقة أعمق ورؤية أكثر اتساعاً.
كان إقبال مؤمناً بأن الشعر يمكن أن يكون أداة لتجديد الروح وبعث الوعي، ولذلك صاغ شعره في لغة ملتهبة بالإيمان والعقل والكرامة. كتب باللغتين الفارسية والأوردية، وجمع بين عمق الفلسفة وجمال التصوير الشعري، فكانت قصائده دعوة إلى النهوض والتفكير وإعادة اكتشاف الذات. في ديوانه “أسرار خودي” تحدث عن فكرة “الذات” أو “الخُودي”، التي تمثل جوهر الإنسان المؤمن القادر على الفعل والإبداع إذا استمد قوته من الله ولم يرضَ بالضعف والخضوع. هذه الفكرة كانت محور فكره الشعري والفلسفي، إذ رأى أن فقدان الشعور بالذات هو سبب انحطاط المسلمين، وأن بعث هذه الذات هو طريقهم إلى الحرية.
تأمل إقبال في حال المسلمين في عصر الاستعمار، فرأى فيهم أمة ممزقة فقدت ثقتها بنفسها وتخلت عن رسالتها. لذلك دعا إلى العودة إلى الإسلام في صورته الأصيلة، لا كعقيدة جامدة، بل كقوة روحية وعقلية تحرّك الإنسان نحو العمل والإصلاح. لم يكن متشدداً أو منغلقاً، بل كان منفتحاً على الفكر الإنساني كله، مؤمناً بأن الحضارة الإسلامية قادرة على التفاعل مع العصر دون أن تفقد هويتها. وقد جسد هذا الموقف في كتاباته التي تمزج بين الإيمان والحرية، بين الروح والعقل، في توازن نادر جعل منه جسراً بين الشرق والغرب.
كان محمد إقبال أيضاً مفكراً سياسياً سبق زمانه، إذ رأى أن نهضة المسلمين لا يمكن أن تتحقق دون استقلالهم السياسي ووحدتهم الفكرية. ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة بإنشاء دولة للمسلمين في شبه القارة الهندية، وهي الفكرة التي مهدت لقيام باكستان بعد وفاته. لكن حلمه لم يكن وطنياً ضيقاً، بل إنسانياً واسعاً، أراد من خلاله أن يرى المسلم حراً، مبدعاً، فاعلاً في العالم، لا تابعاً ولا معزولاً.
شعره مشبع بالعاطفة الدينية والفكر الفلسفي، ومفعم بالصور التي تمزج بين الصوفي والحكيم، بين النبي والمصلح، حتى صار صوته أشبه بنداء إلهي في زمن من الظلام. كان يرى في الإنسان خليفة الله في الأرض، وفي الحرية أعلى مراتب الإيمان، وفي العمل المخلص وسيلة للسمو الروحي. لم يكن شعره بكاءً على الماضي، بل دعوة إلى المستقبل، إذ كان يرى أن المسلم الحقيقي هو من يصنع الغد لا من يعيش على أمجاد الأمس.
عانى إقبال في أواخر حياته من المرض، لكنه ظل يكتب ويفكر حتى وفاته عام 1938، تاركاً وراءه إرثاً أدبياً وفكرياً ضخماً ألهم أجيالاً من المثقفين والمصلحين في العالم الإسلامي. كانت كلماته بمثابة شرارة أيقظت الوعي وأعادت للأمة إيمانها بذاتها وقدرتها على النهوض. وفي كل بيت من شعره يتجلى الإيمان بأن الإنسان خُلق ليحيا كريماً، وأن الله منح روحه نوراً لا ينطفئ إلا إذا اختار هو أن يعيش في الظل. بهذه الروح الخالدة بقي محمد إقبال رمزاً للشاعر الذي جمع بين الفكر والإيمان، وبين الكلمة والرسالة، وبين الحلم والعمل.




