إسحاق نيوتن في ذكرى ميلاده.. العبقرية التي فكت شفرات الكون ووضعت دستور الفيزياء

بقلم: محمد عبد اللطيف بدوي
تحل اليوم ذكرى ميلاد السير إسحاق نيوتن، الذي ولد في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1642 (وفق التقويم القديم)، وهو العالم الذي لم يكتفِ بتفسير الظواهر الطبيعية، بل أعاد صياغة مفهومنا عن الكون برمته. يُعد نيوتن المؤسس الحقيقي للعلم الحديث، حيث نجح في تحويل الملاحظات العشوائية إلى قوانين رياضية صارمة، ليكون جسراً عبرت من خلاله البشرية من عصور التأمل الفلسفي إلى عصر النهضة العلمية القائم على الحساب والتجربة.
بدأت شرارة العبقرية لدى نيوتن في ظروف استثنائية، فخلال فترة العزلة التي فرضها وباء الطاعون، استطاع هذا العقل المتفرد أن يضع أسس علم التفاضل والتكامل، ويصيغ قوانين الحركة الثلاثة التي لا تزال تُدرس في المحافل العلمية حتى يومنا هذا بوصفها الركيزة الأساسية للميكانيكا الكلاسيكية. لقد أثبت نيوتن أن حركة التفاحة الساقطة على الأرض وحركة الكواكب في مداراتها البعيدة تخضعان لذات القانون، وهو “قانون الجاذبية العامة”، موحداً بذلك بين فيزياء الأرض والسماء لأول مرة في التاريخ.
ولم تتوقف إنجازات نيوتن عند حدود الحركة والجاذبية، بل امتدت ريادته إلى علم البصريات، حيث فكك الضوء الأبيض إلى ألوان الطيف السبعة، مبرهناً على طبيعته المركبة، وابتكر التلسكوب العاكس الذي أحدث نقلة نوعية في الرصد الفلكي. وقد توجت هذه المجهودات بنشر كتابه الموسوعي “المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية”، الذي يعتبره المؤرخون الكتاب العلمي الأهم في التاريخ، حيث وضع فيه الدستور الرياضي الذي حكم العلم لأكثر من قرنين من الزمان.
إن الاحتفاء بنيوتن اليوم هو احتفاء بقوة العقل البشري وقدرته على كشف أسرار الطبيعة. وبالرغم من التطور الهائل في الفيزياء الحديثة وظهور النظرية النسبية وميكانيكا الكم، يظل إرث نيوتن هو القاعدة المتينة التي انطلقت منها كافة الاكتشافات اللاحقة. رحل نيوتن في عام 1727، لكن اسمه ظل محفوراً كرمز للعالم الذي “أبصر أبعد من غيره لأنه وقف على أكتاف العمالقة”، ليظل منارة ملهمة لكل باحث عن الحقيقة في مجاهل هذا الكون.



