من ضغط الدولار إلى اقتصاد الإنتاج: معركة استقرار الليرة السورية

بقلم: كرم خليل
كاتب وباحث في الاقتصاد السياسي
هذه ليست أزمة عملة، بل نتيجة مباشرة لنموذج اقتصادي لم يستعد بعد قدرته الكاملة على إنتاج قيمته. ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية لا يُقرأ كتذبذب نقدي عابر، بل كمؤشر سيادي على اختلال ميزان المدفوعات وفجوة ثقة لم تُغلق بعد. عندما يتحرك السعر في السوق الموازية عند حدود 13,200 ليرة مقابل نحو 11,100 رسمياً، فنحن أمام اقتصاد يستهلك الدولار أكثر مما ينتجه.
العامل الحاسم داخلي قبل أن يكون خارجياً. ضعف القاعدة الإنتاجية، الاعتماد الواسع على الاستيراد، وتراجع مصادر تدفق القطع الأجنبي، تجعل كل طلب إضافي على الدولار ضغطاً مباشراً على الليرة. العوامل الخارجية—من قوة الدولار عالمياً إلى كلفة الطاقة والشحن—تضاعف الأزمة لكنها لا تصنعها. جوهر المشكلة: نموذج اقتصادي يقوم على الاستهلاك أكثر مما يقوم على الإنتاج، ويعيد إنتاج الضغط على العملة مع كل دورة استيراد.
انعكاس ذلك على السوق مباشر وحاد. أكثر من 70% من السلع الأساسية مرتبطة بالاستيراد، ما يعني أن أي ارتفاع في الدولار يتحول فوراً إلى تضخم في الغذاء والطاقة والنقل. الأخطر أن السوق يعمل بمنطق التسعير المسبق والاحتكار والمضاربة، ما يسرّع موجات الغلاء ويدفع المجتمع نحو ضغط معيشي خطير، في ظل واقع تشير التقديرات إلى أن نحو 90% من السكان يعيشون فيه تحت خط الفقر.
في هذا السياق، لم تعد المسألة اقتصادية فقط، بل تحولت إلى قضية أمن قومي اقتصادي. استمرار هذا المسار يعني اتساع الفجوة بين الدخل والأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، وتعميق الهشاشة الاجتماعية، بما يهدد استقرار السوق والمجتمع معاً.
المعالجة لا يمكن أن تكون نقدية فقط، بل يجب أن تكون قراراً سيادياً مباشراً. لا يمكن تخفيف الضغط عن الليرة دون فرض انضباط فوري على الاستيراد غير المنتج، وربط تخصيص الدولار بمدخلات الإنتاج والغذاء والطاقة حصراً، ومنع توجيهه نحو الاستهلاك غير الضروري. بالتوازي، يجب إعادة تفعيل الاقتصاد الحقيقي عبر دعم الصناعة والزراعة والتصدير، بوصفها أدوات إنتاج للعملة الصعبة لا مجرد قطاعات تنموية.
تخفيف العبء عن المواطن يبدأ من ضبط السوق. منع الاحتكار، كبح التسعير الاستباقي، وتأمين تدفق السلع الأساسية بكلفة منضبطة، هي إجراءات لا تقل أهمية عن أي سياسة نقدية. الاستقرار النقدي لا يُقاس بسعر الدولار فقط، بل بقدرة المواطن على العيش ضمن سوق يمكن التنبؤ بأسعاره.
المعادلة حاسمة: من لا ينتج الدولار يفقد السيطرة على عملته. واستقرار الليرة لن يتحقق عبر قرارات إدارية مؤقتة، بل عبر إعادة بناء اقتصاد منتج يفرض قيمته.لا استقرار للعملة دون اقتصاد منتج، ولا سيادة اقتصادية دون ضبط مصادر الطلب على الدولار.
ما يجري اليوم ليس أزمة سعر صرف، بل لحظة اختبار لانتقال سوريا من اقتصاد يستهلك إلى اقتصاد يصنع شروط استقراره.



