لايت

شفرات «كلود» على منصات الإطلاق: كيف استخدمت خلية يمنية الذكاء الإصطناعي في تطوير أنظمة صاروخية؟

فكرة وإعداد: محمد الشريف

في تطور أمني وتكنولوجي يسلط الضوء على اتساع نطاق مخاطر إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، تناول تقرير استخباراتي دوري لشركة أنثروبيك «Anthropic» خلال سبتمبر 2026، بحسب ما ورد في التقرير، عملية مرتبطة بخلية هندسية في شمال اليمن استخدمت نموذج «Claude» في تنفيذ مهام برمجية وهندسية مرتبطة ببرامج تسليحية.

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، شملت الأنشطة تطوير برمجيات لأنظمة صاروخية موجهة، وبرامج مرتبطة بصواريخ باليستية متعددة المراحل، إضافة إلى منظومة أُشير إليها باسم «R2000»، تتضمن نماذج مرتبطة بتقنيات الانزلاق فرط الصوتي «Hypersonic Glide Vehicles».

وتكشف الواقعة، في حال تأكد تفاصيلها، عن تحول مهم في طبيعة المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد الاستخدام الضار يقتصر على إنتاج المحتوى أو تنفيذ مهام برمجية محدودة، وإنما يمكن أن يمتد إلى دعم عمليات هندسية شديدة الحساسية.

شفرة «GNC»: الذكاء الإصطناعي في قلب أنظمة التوجيه والتحكم

تتمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في القضية في استخدام «Claude Code»، وفقًا للتقرير، للمساعدة في تطوير برمجيات مرتبطة بأنظمة التوجيه والملاحة والتحكم «GNC – Guidance, Navigation, and Control».

وتُعد هذه الأنظمة من المكونات الأساسية في منظومات الطيران، إذ ترتبط بمهام الملاحة وتقدير الموقع والسرعة والحفاظ على استقرار المركبة أثناء الحركة.

وبحسب ما أورده التقرير، تضمنت المهام البرمجية التي نُفذت بمساعدة النموذج:

1. دمج أنظمة الطيار الآلي وتعديل برمجيات مفتوحة المصدر لتشغيلها على حواسيب طيران مدمجة.

2. تطوير برمجيات مرتبطة بالتحكم الآلي وتقدير الموقع والسرعة أثناء الحركة.

3. المساعدة في ضبط إعدادات أنظمة التحكم بهدف تحسين الاستقرار والأداء.

4. إدارة عمليات بناء البرمجيات الثابتة «Firmware» وإجراء اختبارات ومحاكاة حاسوبية مرتبطة بعمليات الطيران.

وتكمن خطورة هذا النوع من الاستخدام في أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تقليل الوقت والجهد المطلوبين لإنجاز بعض المهام البرمجية المعقدة، لكنه لا يعني بالضرورة أن النموذج أصبح بديلًا كاملًا للخبرات الهندسية البشرية المتخصصة.

تكتيك «الوكلاء المتعددين»: غرفة عمليات برمجية إفتراضية

أشار التقرير كذلك إلى استخدام ما يعرف في مجال تطوير البرمجيات باسم «أنظمة الوكلاء المتعددين» «Multi-Agent Systems»، وهي منهجية تسمح بتوزيع المهام بين عدة نماذج أو جلسات ذكاء اصطناعي تعمل بالتوازي.

وبحسب الرواية الواردة في التقرير، جرى توزيع الأدوار بصورة تحاكي فريقًا هندسيًا مصغرًا، بحيث يؤدي كل نموذج وظيفة مختلفة، من بينها:

1. المبرمج الرئيسي: المساعدة في إنتاج الأكواد والخوارزميات البرمجية.

2. الباحث التقني: البحث عن المعلومات والمراجع والحلول المتاحة في المصادر المفتوحة.

3. مدقق الجودة: مراجعة الأكواد وتحليل الأخطاء والثغرات المحتملة.

ويشير هذا الأسلوب إلى تطور لافت في طريقة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث لا يتم التعامل معها باعتبارها أداة منفردة للإجابة عن الأسئلة، وإنما كمنظومة عمل يمكن توزيع المهام داخلها وفق أدوار متعددة.

هندسة الخداع والتجزئة: محاولة تجاوز أنظمة الحماية

على الرغم من وجود ضوابط أمان مصممة للحد من استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية المحظورة، فإن التقرير أشار إلى أن بعض محاولات إساءة الاستخدام تمكنت من تجاوز جزء من تلك القيود.

وبحسب ما ورد في التقرير، اعتمد المستخدمون على عدد من الأساليب، من بينها:

1. إخفاء الغرض النهائي من بعض المهام البرمجية.

2. تقسيم المشروع إلى مهام وجلسات منفصلة بدلًا من تقديم الهدف الكامل في طلب واحد.

3. الاعتماد على أدوات محاكاة وبرمجيات محلية يمكن تشغيلها بصورة مستقلة عن الخدمات السحابية.

وتثير هذه الأساليب تساؤلات واسعة حول قدرة أنظمة السلامة الحالية على التعامل مع المشروعات المعقدة التي تتكون من عشرات المهام الصغيرة، والتي قد تبدو كل واحدة منها منفردة غير خطرة، بينما يمكن أن تتجمع في النهاية داخل مشروع ذي استخدام عسكري.

الإختبار الميداني: عندما يتحول الفشل إلى مدخل للتحليل

ومن بين الجوانب التي يلفت إليها التقرير الانتباه العلاقة بين النشاط الرقمي والتجارب الميدانية.

فبحسب الرواية الواردة فيه، أجرت الخلية اختبارًا ميدانيًا لنظام طيران موجه، وانتهت التجربة إلى الفشل. وبعد ذلك، جرى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل نتائج الاختبار ومحاولة تحديد أسباب الخلل.

وتكشف هذه الواقعة عن جانب آخر من المخاطر المحتملة، يتمثل في قدرة الذكاء الاصطناعي على تسريع دورة التجربة والتحليل والتعديل، وهي دورة قد تكون ذات قيمة كبيرة في التطبيقات المدنية والعلمية، لكنها تصبح شديدة الحساسية عندما ترتبط بأنظمة تسليحية.

التكنولوجيا مزدوجة الإستخدام: الوجه الآخر للثورة الرقمية

تسلط هذه القضية الضوء على واحدة من أكبر التحديات التي تواجه صناعة الذكاء الاصطناعي حاليًا، وهي مشكلة «التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام» «Dual-use Technology».

فالعديد من الأدوات التي صُممت أصلًا لمساعدة المطورين والباحثين والشركات في كتابة البرمجيات وتحليل البيانات وإجراء المحاكاة، يمكن أن تكون لها تطبيقات أخرى خارج الأغراض المدنية.

وتزداد حساسية المشكلة عندما تصبح هذه الأدوات متاحة عبر الإنترنت، وقادرة على تنفيذ مهام متقدمة بسرعة كبيرة، الأمر الذي يفرض على شركات الذكاء الاصطناعي تطوير أنظمة حماية قادرة على فهم السياق الكامل للاستخدام، وليس فقط تحليل كل طلب بصورة منفصلة.

تحديات جديدة أمام الأمن السيبراني والحوكمة الدولية

لا تتوقف القضية عند حدود شركة أو نموذج ذكاء اصطناعي بعينه، وإنما تطرح سؤالًا أوسع حول مستقبل الأمن السيبراني والحوكمة الدولية للذكاء الإصطناعي.

فمع تطور النماذج اللغوية والبرمجية، تصبح الحاجة أكبر إلى وضع ضوابط واضحة للتعامل مع الاستخدامات العسكرية الحساسة، مع تطوير آليات قادرة على اكتشاف محاولات تقسيم المهام أو إخفاء الغرض النهائي للمشروع.

وفي الوقت نفسه، يجب ألا تؤدي إجراءات الحماية إلى تعطيل الاستخدامات المشروعة للذكاء الاصطناعي في مجالات البحث العلمي والهندسة والصناعة والبرمجة.

 المعالجة الإعلامية: بين الدقة وعدم الترويج

من منظور المعايير المهنية للإعلام، ومبادئ ميثاق الشرف الإعلامي في مصر، وأكواد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، يتطلب تناول هذه القضايا الالتزام بالدقة والموضوعية والتحقق من المعلومات، خصوصًا عندما تتعلق بادعاءات أمنية أو عسكرية حساسة.

كما ينبغي تجنب تقديم التفاصيل التقنية التي يمكن أن تتحول إلى إرشادات عملية لتطوير الأسلحة أو تحسين أدائها، والتركيز بدلًا من ذلك على الأبعاد الأمنية والتكنولوجية والقانونية والأخلاقية للقضية.

ويُعد الفصل بين نقل المعلومات وتحويلها إلى مادة ترويجية للأنشطة التسليحية أمرًا أساسيًا في التغطية المهنية، خاصة في القضايا التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والأسلحة والأمن الدولي.

تكشف قضية استخدام الذكاء الاصطناعي في مشروعات تسليحية، إذا تأكدت تفاصيلها وفق المصادر الرسمية الموثوقة، عن مرحلة جديدة من تحديات التكنولوجيا الحديثة.

فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في قدرة نموذج الذكاء الاصطناعي على كتابة الشيفرات، وإنما في إمكانية دمج هذه القدرة مع أدوات المحاكاة والمصادر المفتوحة والخبرات البشرية، بما قد يختصر بعض مراحل التطوير في مشروعات شديدة الحساسية.

ومن هنا، تصبح حوكمة الذكاء الاصطناعي، وتعزيز أنظمة السلامة، وتحسين آليات اكتشاف الاستخدامات المحظورة، إلى جانب التعاون الدولي، عناصر أساسية لضمان ألا تتحول أدوات الذكاء ال

اصطناعي المخصصة للتقدم العلمي والتكنولوجي إلى وسيلة لتوسيع مخاطر الإنتشار العسكري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى