
محمود عباس: خطاب الاستسلام لا يمثل فلسطين
بقلم: شروق الشحات
بينما يعيش الشعب الفلسطيني واحدة من أعقد المراحل في تاريخه المعاصر، وفي اللحظة التي يحتاج فيها الفلسطينيون إلى صوت يعبر عن دمائهم و صمودهم في غزة والضفة، خرج محمود عباس أمام مؤتمر نيويورك بخطاب أشبه برسالة استجداء دولية، لا بخطاب قائد يقود شعباً تحت الإحتلال.

خطاب بدا وكأنه مكتوب لإرضاء قاعات المؤتمرات والدبلوماسيين، لا ليحمل صوت المقهورين تحت القصف والحصار في غزة، أو الأسرى في سجون الاحتلال،والمواطنين الذين يواجهون التهجير والاستيطان.
أولاً: خطاب استجداء لا خطاب مقاومة
منذ بدايته وحتى نهايته، ظهر خطاب عباس أقرب إلى رسالة استجداء للمجتمع الدولي، حافلة بالشكر والثناء للدول الغربية، مقابل غياب لغة التحدي أو التمسك الحازم بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.
هذا التوجّه يختزل القضية الفلسطينية في بيانات وإعلانات، بينما الاحتلال يفرض وقائعه بالنار والجرافات.
ثانياً: مساواة مرفوضة بين الاحتلال والمقاومة
أخطر ما جاء في الخطاب هو محاولة عباس مساواة جرائم الاحتلال الممنهجة ضد المدنيين بما قامت به المقاومة في 7 أكتوبر.
هذه المقاربة لا تعبر عن عدل ولا عن فهم لطبيعة الصراع، بل تظهر القيادة وكأنها تتبرأ من مقاومة شعبها لإرضاء العواصم الغربية.
الإحتلال هو الجاني، والمقاومة هي النتيجة الطبيعية للظلم التاريخي، ولا مجال لوضع الجلاد والضحية في كفّة واحدة.
هذه المساواة هي طعنة في خاصرة كل فلسطيني فقد ابنه أو هدم بيته تحت القصف.
الإحتلال لا يمكن أن يقارن بمن مقاومه، وهذه أبجديات بديهية يعرفها الطفل الرضيع أكثر من أي سياسي يلهث وراء شرعية دولية.
هذا الخطاب بدا للبعض وكأنه يقدّم تنازلات مجانية، في وقتٍ يحتاج فيه الفلسطينيون إلى خطاب وحدة وصمود لا إلى محاضرات سياسية لترضية المجتمع الدولي.
استبعاد المقاومة و إدامة الانقسام:
إعلان عباس أن غزة يجب أن تُدار عبر لجنة مرتبطة بالسلطة في رام الله، وأن حماس يجب أن تتخلى عن الحكم والسلاح، هو طرح يعمّق الانقسام الفلسطيني ولا يخدم وحدة الصف فهو علميا يغلق الباب أمام أي مصالحة وطنية.
فهل يمكن فعلاً بناء دولة فلسطينية من دون توافق وطني شامل؟ أم أن ما طُرح مجرد رؤية تروق للدول الغربية وبعض الأطراف الإقليمية؟
فهو في الواقع يطالب الفلسطينيين بالاستسلام، ويكرّس الانقسام بدل إنهائه.
فكيف يبني دولة بلا مقاومة ولا وحدة؟ وكيف يفرض «قانوناً واحداً» في ظل احتلال يسنّ قوانينه على الأرض بالنار والجرافات؟
وعود جوفاء حديثه عن انتخابات بعد الحرب وصياغة دستور خلال ثلاثة أشهر بدا غير واقعي في ظل الاحتلال والانقسام.
فمنذ أكثر من 15 عاماً، لم يعرف الشعب الفلسطيني صندوق اقتراع حقيقياً، ولم يُنجز أي إصلاح فعلي. فكيف يصدّق الفلسطينيون أن هذه الوعود ستتحقق الآن، بينما الأرض تُبتلع بالمستوطنات والقدس تُعزل يوماً بعد يوم؟
إغفال جوهر القضية
الخطاب ركّز على الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، لكنه تجاهل عمق المعاناة اليومية للشعب تحت الاحتلال، والاستيطان المتسارع في الضفة، والحصار الخانق على غزة.
فهل تكفي البيانات والاعترافات لإنهاء الاحتلال، أم أن القضية تحتاج إلى إرادة شعبية ومقاومة سياسية وميدانية حقيقية؟
تجاهل الاستيطان والقدس:
الخطاب مرّ مرور الكرام على أخطر الملفات: الاستيطان والقدس.
ففي وقت تتسارع فيه عمليات البناء في الضفة وتتعرض المقدسات الإسلامية والمسيحية لانتهاكات يومية، لم يقدّم عباس سوى كلمات عمومية بلا أي آلية لمواجهة هذا الواقع.
وكأن المعركة مع الاحتلال تختصر في غزة وحدها، بينما القدس تُعزل والضفة تُقطّع أوصالها.
عباس مهنئاً لليهود فوق دماء شعبه: محمود عباس في خطابه فاجئ الجميع لتهنئته ليهود العالم:
«وانتهز هذه الفرصة لأتوجه لكل يهود العالم متمنياً لهم سنة طيبة بمناسبة السنة العبرية».
جملة قصيرة لكنها كاشفة؛ بدلاً من أن يرفع صوت الضحايا، اختار عباس أن يوجّه التهاني لليهود بينما غزة تُقصف والدم الفلسطيني يسيل.
إنها رسالة استسلام وانفصال عن نبض شعبه، وتأكيد أن رأس السلطة يعيش بعيداً عن معاناة من يدّعي تمثيلهم.
وختاما: خطاب محمود عباس في نيويورك لم يكن خطوة إلى الأمام، بل خطوة أخرى في مسار طويل من الارتباك السياسي. إنه خطاب يكرّس الانقسام، يساوي بين الجلاد والضحية، ويغرق في وعود لا تجد صدى على الأرض.
فلسطين أكبر من هذا الخطاب، وأكبر من قيادة تلهث خلف الاعترافات الدولية، بينما يتطلّع شعبها إلى الحرية، المقاومة، والدولة المستقلة التي تُبنى بوحدة الصف لا بالانقسام.