ربط مع إرث نضالي عريق وقوة ضغط استراتيجية نوعية

ربط مع إرث نضالي عريق وقوة ضغط استراتيجية نوعية
كتب: إبراهيم رمضان الهمامــي
الموانئ كساحة نضالية عابرة للحدود
الموانئ ليست مجرد بوابات للتجارة الدولية، بل فضاءات سياسية وإستراتيجية تتحكم في حركة الاقتصاد العالمي. فهي تشكل نقطة التقاء بين رأس المال، والعمالة، والسيادة الوطنية، والمصالح الدولية. ولهذا، فإن أي تحرك عمالي داخل الموانئ يمتلك قدرة مضاعفة على التأثير، إذ لا يقتصر أثره على موقع محلي محدد، بل يتجاوز ليؤثر في شبكات التجارة العالمية، ما يجعلها أداة ضغط استراتيجية ضد الاحتلال أو القوى المهيمنة.
في الحالة الفلسطينية، تحولت الموانئ إلى خطوط مواجهة أمامية، حيث أظهرت حملات التضامن العمالي أن العمال قادرون على تحويل مواقعهم إلى حصون مقاومة، تقطع شرايين التجارة عن الاحتلال الإسرائيلي، وتفرض عزلة اقتصادية–رمزية عليه في المجتمع الدولي.
نضال عمال الموانئ ضد الإبادة في غزة: تواصل مع إرث نضالي عربي وأممي
منذ اندلاع العدوان المتكرر على غزة، شكّل عمال الموانئ حول العالم طليعة جديدة للتضامن مع الشعب الفلسطيني. لم يكن هذا التحرك مجرد مبادرات فردية، بل جاء امتداداً لإرث نضالي أممي يمتد من وقوف عمال الموانئ في جنوب إفريقيا ضد الأبارتهايد، إلى تضامنهم مع نضالات التحرر في فيتنام وتشيلي.
اليوم، يعيد التاريخ نفسه في فلسطين، إذ بات العمال في موانئ أمريكا وإيطاليا وإسبانيا وجنوب إفريقيا وأستراليا يرفضون التعامل مع السفن الإسرائيلية أو تلك المرتبطة بالشركات الداعمة للاحتلال. هذه الخطوة تُمثل نقلة نوعية لأنها تربط القضية الفلسطينية بالحركة العمالية العالمية، وتجعل من التضامن فعلاً عملياً ملموساً، يتحدى الحكومات المتواطئة والأنظمة الاقتصادية المنخرطة في دعم الاحتلال.
الهيئة العمالية: مسرح للإبداع وفضاء للربط بين النضالات العمالية والتحررية
لقد أثبتت حملة Block the Boat في الولايات المتحدة عام 2014، وغيرها من المبادرات، أن العمال قادرون على ابتكار أشكال نضالية جديدة. لم يقتصر الأمر على بيانات أو مسيرات، بل أصبح الميناء نفسه موقع مواجهة، حيث امتنع العمال عن تفريغ سفن “Zim” الإسرائيلية لأيام طويلة، ما كبّد الاحتلال خسائر مادية ورمزية.
في أوروبا، قام عمال موانئ إيطاليا وإسبانيا بخطوات مماثلة في الأعوام 2021–2023، ليؤكدوا أن الميناء يمكن أن يتحول إلى “ساحة تحرير صغيرة” بفضل التضامن العمالي. هذا الإبداع يعكس كيف يستطيع العمال تجاوز حدودهم المحلية، وربط مصيرهم بمصير شعوب تكافح من أجل الحرية، وعلى رأسها فلسطين.
محطات نوعية في النضال العمالي ضد الاحتلال (2003 – 2023)
2003: بدايات التحركات في أوروبا وأمريكا ضد الشركات المتعاملة مع الاحتلال، وظهور دعوات للمقاطعة العمالية.
2010: بعد مجزرة أسطول الحرية، اتسع نطاق التضامن ليشمل عمالاً في عدة دول، وازدادت الدعوات لمقاطعة السفن الإسرائيلية.
2014: انطلاق حملة “Block the Boat” في كاليفورنيا، التي منعت سفن “Zim” من الرسو والتفريغ، وأصبحت نموذجاً يُحتذى عالمياً.
2021 – 2023: تصاعدت التحركات العمالية في موانئ إيطاليا وإسبانيا وجنوب إفريقيا، تزامناً مع العدوان الإسرائيلي على غزة، لتؤكد أن هذه المعركة مستمرة ومتجددة.
الإطار القانوني الدولي وتجريم الحصار على غزة
لم يكن تحرك عمال الموانئ معزولاً عن الشرعية الدولية، بل جاء متسقاً مع القوانين والمواثيق التي تجرّم الحصار الجماعي والاعتداءات على المدنيين:
1. القانون الدولي الإنساني:
اتفاقيات جنيف (1949) تنص بوضوح على أن العقوبات الجماعية، والتجويع كوسيلة من وسائل الحرب، جريمة حرب. وبما أن حصار غزة يحرم السكان المدنيين من الغذاء والدواء والتنقل، فإنه يمثل انتهاكاً مباشراً لهذه الاتفاقيات.
2. قرارات مجلس الأمن:
القرار 1860 (2009) الذي دعا إلى رفع الحصار عن غزة وضمان تدفق المساعدات الإنسانية.
القرارات المتعددة التي تجرّم الاستيطان والعدوان على المدنيين، والتي تضع إسرائيل في خانة الدولة المخالفة للقانون الدولي.
3. قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة:
منذ عام 1947، أكدت الأمم المتحدة مراراً على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وفي 1990، صدر القرار 45/130 الذي يشدد على عدم شرعية الحصار ضد الشعوب.
4. المواثيق الدولية لحقوق الإنسان:
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) يكفل حرية التنقل والحياة الكريمة.
العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يحظر حرمان الشعوب من مواردها الأساسية.
وبناءً على ذلك، فإن الحصار على غزة يُعد جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وهو ما يعطي غطاءً قانونياً لنضال عمال الموانئ باعتباره جزءاً من الدفاع عن القانون الدولي، لا مجرد فعل تضامني.
الإرث العمالي الأممي وفلسطين: تكامل بين المحلي والعالمي
تجارب العمال في جنوب إفريقيا ضد الأبارتهايد، وفي أمريكا اللاتينية ضد الديكتاتوريات، وفي أوروبا ضد الحروب الاستعمارية، كلها أرست قاعدة مفادها أن الطبقة العاملة ليست مجرد قوة إنتاج، بل قوة تحرير. واليوم، يترجم عمال الموانئ هذا الإرث في فلسطين، ليؤكدوا أن القضية الفلسطينية ليست قضية محلية، بل قضية إنسانية عالمية تقع في قلب الصراع بين العدالة والظلم.
خلاصة موسعة
إن نضال عمال الموانئ ضد الحصار على غزة هو مزيج من البعد الإنساني، والنضال العمالي، والشرعية الدولية. لقد أثبتوا أن الموانئ ليست مجرد نقاط تجارية، بل ساحات مقاومة. وبربط نضالهم بالإرث العمالي العربي والعالمي، أعادوا إحياء البعد الأممي للقضية الفلسطينية، ووضعوا الاحتلال أمام مأزق أخلاقي وقانوني.
هذا النضال هو بمثابة تحالف بين قوة الشارع العمالي وقوة القانون الدولي، ما يمنحه شرعية مضاعفة، ويجعل من كل خطوة في الميناء جزءاً من معركة كبرى ضد الإبادة والاحتلال.



