خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هروب إلى الأمام وسط عزلة دولية خانقة

خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هروب إلى الأمام وسط عزلة دولية خانقة
كتب: إبراهيم رمضان الهمامـي
في يوم الجمعة 26 سبتمبر 2025، كان المشهد داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة مختلفًا عن كل المرات السابقة. وقف رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام المنصة الدولية محاولًا أن يرسم صورة “القوة والانتصار”، بينما الواقع يكشف انهيارًا متسارعًا في صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي.
ما أراده نتنياهو استعراضًا للقوة، تحوّل إلى مشهد يفضح عزلته، بعدما انسحب عشرات المندوبين من القاعة في خطوة احتجاجية واضحة، تُجسد رفضًا عالميًا متزايدًا لسياسات الاحتلال والحرب والتطهير ضد الشعب الفلسطيني.
نتنياهو وخطاب القوة الزائفة
منذ اللحظة الأولى، ركّز نتنياهو على الحديث عن “انتصارات إسرائيل الاستراتيجية”، زاعمًا أن جيشه “سحق معظم آلة الإرهاب التابعة لحماس”، وأنه بصدد “إكمال المهمة سريعًا”. لكن الحقيقة على الأرض مختلفة تمامًا؛ فغزة اليوم تعيش واحدة من أعتى الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث: آلاف الشهداء، مئات آلاف الجرحى، ملايين المحاصرين بلا كهرباء أو ماء أو دواء. هذه ليست “انتصارات” بل جريمة ممنهجة تتعارض مع أبسط القوانين الإنسانية.
استعراض دموي في مواجهة لبنان وإيران واليمن
في محاولة لتعزيز صورته كـ”رجل الأمن الأول”، لم يتردد نتنياهو في استعراض سجل من العمليات العسكرية والاغتيالات ضد لبنان وإيران واليمن. تحدث بفخر عن عمليات الاغتيال التي نفذتها أجهزة الاحتلال، وكأنها إنجازات عسكرية، بينما هي في حقيقتها جرائم خارج إطار القانون الدولي.
هذا التباهي بالقتل يكشف ذهنية استعمارية قديمة: إسرائيل تحاول أن تثبت وجودها عبر القوة العارية، لكنها في الواقع تراكم المزيد من العداوات وتعزز قناعة الشعوب بأن وجودها خطر على الأمن والاستقرار الإقليمي.
تحدٍّ سافر للإجماع الدولي حول فلسطين
الأكثر خطورة في خطاب نتنياهو كان هجومه المباشر على الدول التي اعترفت أو أعلنت نيتها الاعتراف بدولة فلسطين. وصف تلك القرارات بأنها “خزي” و”انتحار وطني”، في خطاب يعبّر عن إنكار كامل لحقوق شعب بأكمله.
ورغم ذلك، فإن هذا الهجوم يعكس أيضًا خوفًا إسرائيليًا متزايدًا من العزلة السياسية، إذ أن الاعتراف بفلسطين لم يعد قضية محصورة بالدول العربية أو الإسلامية، بل أصبح تيارًا دوليًا يكتسب قوة دفع كبيرة داخل أوروبا، أمريكا اللاتينية، وحتى في بعض دوائر الغرب التي طالما دعمت الاحتلال.
استغلال المعاناة الإنسانية لأغراض دعائية
في خطوة أثارت الاستنكار، أعلن نتنياهو أنه بث خطابه عبر مكبرات الصوت في غزة للرهائن المحتجزين هناك. هذه الحركة لم تكن إلا دعاية سياسية مكشوفة، تتجاهل ملايين الفلسطينيين الذين يعانون من الحصار والدمار والموت اليومي. لقد أراد أن يُظهر نفسه كمن “يخاطب رهائنه”، بينما الحقيقة أن العالم كله رأى فيه زعيمًا يستغل المعاناة الإنسانية لغايات انتخابية وسياسية رخيصة.
عزلة دبلوماسية تتجسد في القاعة
رغم محاولاته لتقديم خطاب القوة، إلا أن المشهد الأبرز والأكثر رسوخًا في ذاكرة الأمم المتحدة كان انسحاب عشرات الوفود من القاعة أثناء كلمته.
هذا المشهد مثّل نقلة نوعية في التعاطي الدولي مع إسرائيل: لم يعد الاحتجاج يقتصر على بيانات مكتوبة أو كلمات دبلوماسية مبطّنة، بل بات يتجسد في مواقف علنية تُظهر رفضًا مباشرًا. لقد جسّد هذا الانسحاب حقيقة أن الاحتلال لم يعد قادرًا على تسويق روايته القديمة القائمة على “الدفاع عن النفس”، وأن العالم بدأ يرى إسرائيل كما هي: قوة احتلال وعنصرية تُمارس الحصار والعدوان.
الدلالة الأعمق: فلسطين قضية إنسانية وليست مجرد ملف سياسي
من بين كل ما جرى، فإن أهم ما كشفه خطاب نتنياهو هو أن قضية فلسطين تجاوزت حدود السياسة التقليدية. لم تعد مسألة “نزاع إقليمي” أو “ملف تفاوضي” بين طرفين، بل أصبحت قضية أخلاقية وإنسانية تفرض نفسها على الضمير العالمي. العدالة للشعب الفلسطيني باتت التزامًا إنسانيًا وأخلاقيًا، والوقوف في وجه الاحتلال لم يعد خيارًا سياسيًا بقدر ما أصبح واجبًا أخلاقيًا تفرضه القيم الإنسانية والعدالة الدولية.
الخلاصة
خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة لم ينجح في تلميع صورة إسرائيل كما أراد.
بل على العكس، كان شاهدًا على عزلة تتعمّق، وعلى رفض عالمي لسياسات الحرب والعدوان. العالم لم يعد يستمع لرواية إسرائيل القديمة، بل بدأ يصغي إلى أصوات المقاعد الفارغة التي انسحب أصحابها احتجاجًا. هذه المقاعد الفارغة قالت أكثر مما قاله نتنياهو في خطابه كله: “الظلم لن يستمر، وفلسطين ستبقى قضية العالم”.



