وثائق وحكايات
أخر الأخبار

إسرائيل وصناعة الهيمنة الأمنية في الشرق الأوسط: قراءة معمّقة في هاجس البقاء وترتيبات المستقبل

كتب: إبراهيم رمضان الهمامـي

 

منذ أن قامت دولة إسرائيل على أنقاض النكبة الفلسطينية عام 1948 وحتى يومنا هذا، ظلّ الهاجس الأمني هو العامل الأكثر تأثيراً في صياغة سياساتها الداخلية والخارجية على حد سواء.

فالكيان الذي نشأ وسط محيط عربي رافض لوجوده، محاط بدول وجيوش كانت تعلن صراحة رفضها للتقسيم واعتبار قيام إسرائيل أمراً غير شرعي، وجد نفسه مضطراً إلى بناء رؤية أمنية شاملة تعكس طبيعة المخاطر المحيطة به.

هذه الرؤية لم تكن مجرد خطط عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى عقيدة استراتيجية متكاملة تمزج بين الردع العسكري والاختراق الدبلوماسي، بين التفوق التكنولوجي والاعتماد على التحالف مع القوى الكبرى، وبين السعي لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بشكل يضمن بقاء إسرائيل متفوقة وراسخة ومحصّنة من أي تهديد وجودي.

لقد تشكّلت هذه الرؤية عبر مسار طويل من التجارب والاختبارات الصعبة، بدءاً من حرب 1948 وما مثلته من تحديات وجودية، مروراً بحرب 1956 التي أكدت أهمية التحالف مع القوى الغربية، وصولاً إلى حرب 1967 التي رسّخت في العقل الإسرائيلي أن السيطرة على الأرض هي الضامن الأول للأمن، وحرب أكتوبر 1973 التي هزّت اليقين الإسرائيلي بالردع المطلق وأظهرت هشاشة نظرية التفوق الدائم. ومن هنا بدأ التفكير في بناء ترتيبات أمنية جديدة لا تقوم فقط على القوة العسكرية بل تشمل أيضاً العمل السياسي والاقتصادي والإعلامي.

إن الرؤية الإسرائيلية للأمن في المنطقة قائمة على عدة مرتكزات كبرى، أولها الحفاظ على التفوق العسكري النوعي في مواجهة جميع الجيوش العربية مجتمعة. وهذا التفوق لا يُقاس فقط بعدد الجنود أو الدبابات، بل بامتلاك التكنولوجيا المتقدمة، وتطوير الصناعات العسكرية المحلية، وضمان تدفق أحدث منظومات الأسلحة الأميركية والغربية.

كما أن إسرائيل تبنت منذ وقت مبكر سياسة الغموض النووي، فأصبحت الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك ترسانة نووية غير معلنة لكنها معروفة للجميع، وهو ما جعلها تتمتع بقدرة ردع استراتيجية تعزز موقفها في أي مفاوضات أو صراع محتمل.

إلى جانب ذلك، فإن التحالف مع الولايات المتحدة شكل العمود الفقري للترتيبات الأمنية الإسرائيلية. فمنذ خمسينيات القرن الماضي ومع تراجع النفوذ البريطاني والفرنسي في المنطقة، برزت واشنطن كحليف استراتيجي لا غنى عنه، وقد ضمنت لإسرائيل تفوقها العسكري عبر مساعدات سنوية ضخمة، ودعمتها سياسياً في المحافل الدولية، وحالت دون أي محاولة لفرض تسوية غير ملائمة لمصالحها. بل إن كثيراً من المبادرات الإقليمية لم يكن من الممكن تمريرها من دون الضوء الأخضر الأميركي الذي يراعي دوماً الحسابات الإسرائيلية.

وتقوم إسرائيل في رؤيتها الأمنية على مبدأ أساسي هو أن البيئة العربية يجب أن تظل مشرذمة ومنقسمة، بحيث لا يستطيع العرب تشكيل جبهة موحدة ضدها. لذلك عملت على استثمار التناقضات الداخلية العربية، وشجعت النزاعات الطائفية والعرقية، بل وسعت إلى إقامة علاقات سرية أو علنية مع بعض الأطراف العربية لتكريس سياسة “فرّق تسد”.

ومن هنا يمكن فهم كيف أن اتفاقيات السلام مع مصر ثم مع الأردن لم تكن مجرد خطوات دبلوماسية بل عناصر جوهرية في بناء منظومة أمنية تتيح لإسرائيل إخراج أكبر جيوش المنطقة من دائرة الصراع المباشر. ومع مرور الوقت تطورت هذه الرؤية لتشمل محاولات اختراق جديدة عبر اتفاقيات التطبيع التي شهدناها في العقدين الأخيرين مع دول خليجية، والتي ينظر إليها صانع القرار الإسرائيلي على أنها خطوة نحو إدماج إسرائيل كجزء طبيعي من المنظومة الإقليمية.

وعندما ننظر إلى تهديدات إسرائيل كما تراها هي، نجد أن إيران تحتل رأس القائمة بسبب برنامجها النووي وقدرتها على التأثير في ساحات متعددة مثل العراق وسوريا ولبنان وغزة. وتعتبر إسرائيل أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيقوّض تفوقها الاستراتيجي، ولهذا فهي تضع منع إيران من بلوغ هذه المرحلة كهدف وجودي.

أما الخطر الثاني فيتمثل في حركات المقاومة، سواء في فلسطين أو في لبنان، والتي استطاعت تطوير قدرات صاروخية وهجومية غيرت ميزان الردع، إذ لم يعد العمق الإسرائيلي بمنأى عن الاستهداف. أما الخطر الثالث فيتجسد في الفوضى الإقليمية التي قد تفرز كيانات مسلحة غير منضبطة تشكل تحدياً لأمنها.

ويضاف إلى ذلك التحدي السيبراني، حيث تدرك إسرائيل أن معارك المستقبل قد لا تُحسم فقط على الأرض، بل عبر الهجمات الإلكترونية التي قد تشل البنية التحتية المدنية والعسكرية في آن واحد.

وتتعدد أدوات إسرائيل في مواجهة هذه التحديات. فهي تعتمد على القوة العسكرية الضاربة والقدرة على شن حروب استباقية، كما فعلت عند قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981، أو عند تنفيذ ضربات متكررة داخل سوريا ولبنان وغزة.

كما أنها تستثمر بشكل واسع في التكنولوجيا المتقدمة لتطوير أنظمة دفاعية مثل القبة الحديدية، وأنظمة اعتراض الصواريخ بعيدة المدى، وتقنيات المراقبة والاستخبارات المتطورة.

وهي لا تكتفي بذلك بل توظف نفوذها في الغرب لتشكيل الرأي العام وضمان تأييد السياسات الدولية التي تصب في مصلحتها. وفي الوقت نفسه، تعمل على بناء شراكات أمنية مع بعض الدول العربية تحت شعار مواجهة “الخطر الإيراني”، بحيث يصبح أمن إسرائيل جزءاً لا يتجزأ من أمن المنطقة.

لكن رغم كل هذه الإنجازات، تواجه إسرائيل أزمات بنيوية لا يمكن تجاهلها. فالصراع مع الفلسطينيين لم يُحسم، وكل الترتيبات الأمنية تظل مهددة بالانفجار طالما بقي الاحتلال قائماً والحقوق مسلوبة.

كما أن حركات المقاومة أظهرت قدرة على الصمود وإرباك الحسابات الإسرائيلية، حتى باتت نظرية الحسم السريع موضع شك. ومن جهة أخرى، فإن إيران تواصل توسيع نفوذها، وتبقى قدرتها على المناورة إقليمياً ودولياً مصدر قلق متزايد لإسرائيل. ومع تغير البيئة الدولية وتراجع الهيمنة الأميركية المطلقة، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة للتكيف مع نظام دولي جديد لا يمنحها بالضرورة ذات الغطاء والدعم الذي اعتادت عليه.

يضاف إلى ذلك الانقسامات الداخلية الإسرائيلية، سواء على مستوى المجتمع أو السياسة أو العلاقة بين التيارات الدينية والعلمانية، وهو ما قد يؤثر على تماسكها في مواجهة التحديات الخارجية.

إن المستقبل الذي تتطلع إليه إسرائيل يقوم على استمرار التحالف مع الولايات المتحدة، وتوسيع دائرة التطبيع مع دول عربية أخرى، وتكريس حضورها التكنولوجي كقوة إقليمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والسيبراني.

لكنها، رغم كل ما تملكه من تفوق عسكري ودعم سياسي، ستظل عاجزة عن بناء منظومة أمنية مستقرة إذا لم تعالج جذور الصراع، لأن القضية الفلسطينية هي بؤرة التوتر التي تفجّر المنطقة بين الحين والآخر. ولهذا فإن أي ترتيبات أمنية لا تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني ولا تحقق الحد الأدنى من العدالة، ستبقى مؤقتة وهشة، وقد تسقط أمام أي مواجهة جديدة.

وبذلك يمكن القول إن الرؤية الإسرائيلية للترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط ليست مجرد خطة دفاعية بل مشروع طويل المدى لإعادة هندسة المنطقة بما يضمن التفوق الإسرائيلي واستمراره.

إلا أن هذه الرؤية تحمل في داخلها عوامل ضعف كامنة، لأن الأمن الذي يقوم على الهيمنة وحدها لا يمكن أن يكون دائماً، ولأن الشعوب العربية، مهما تباينت مواقف حكوماتها، ما زالت ترى في إسرائيل كياناً غريباً مفروضاً بقوة السلاح، وبالتالي فإن معادلة الأمن الإسرائيلية ستظل محكومة بالتناقض بين القوة الظاهرة والهشاشة الكامنة، وهو ما يجعل مستقبل الشرق الأوسط مفتوحاً على احتمالات عديدة لا يمكن لإسرائيل التحكم في مسارها بشكل مطلق مهما بلغت من تفوق أو دعم خارجي.

محمد ابراهيم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى