
كتب: إبراهيم رمضان الهمامــي
منذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948، ظلّت القضية الفلسطينية محور الصراع في الشرق الأوسط، ورافعةً لأزمات المنطقة وتوازناتها الدولية. وبينما حصل اليهود على دولتهم بدعم القوى الكبرى، بقي الشعب الفلسطيني أسير التشتت والضياع والانقسامات، يتأرجح بين المبادرات والانتفاضات، وبين المفاوضات والخيبات.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا ضاعت كل تلك الفرص لإقامة الدولة الفلسطينية؟ وهل لا يزال هناك مجال لتدارك ما فات؟
البداية: قرار التقسيم 1947
كان قرار الأمم المتحدة رقم 181 بتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية أول محاولة دولية لصياغة حل يضمن للشعب الفلسطيني الحد الأدنى من حقوقه. القرار، رغم ظلمه في توزيع الأرض، كان يفتح باب الاعتراف بدولة فلسطينية. لكن رفض بعض القوى العربية، وغياب قيادة فلسطينية موحدة، فتح المجال أمام إسرائيل لفرض واقع جديد، بينما تحول الحلم الفلسطيني إلى مأساة النكبة عام 1948، التي شردت مئات الآلاف، ووضعت القضية في مسار معقد.
الانقسام الفلسطيني: فرصة ضائعة متكررة
مع مرور الوقت، لم ينجح الفلسطينيون في تأسيس قيادة موحدة قادرة على إدارة الصراع. ورغم أن منظمة التحرير الفلسطينية التي أسسها العرب في ستينيات القرن الماضي جاءت لتكون الممثل الشرعي للشعب، إلا أن الانقسامات الداخلية وتعدد الفصائل – حتى وصلت إلى 18 فصيلاً – جعلت الوحدة شعارًا أكثر منه واقعًا. هذه الانقسامات أضعفت الموقف الفلسطيني، ومنحت إسرائيل أفضلية سياسية وعسكرية لتكريس مشروعها الاستيطاني والتوسعي.
حروب ومعاهدات: مكاسب لإسرائيل وخسائر للفلسطينيين
بعد نكسة 1967، طرحت إسرائيل عروضًا بالانسحاب الجزئي مقابل السلام، لكنها لم تشمل القدس، وهو ما دفع العرب إلى الرفض. ثم جاءت حرب أكتوبر 1973 التي فتحت باب المفاوضات، لكن الفلسطينيين ظلوا خارج الطاولة المباشرة. اتفاقيات كامب ديفيد 1978 منحت مصر استعادة سيناء، لكنها لم تمنح الفلسطينيين سوى وعود حكم ذاتي غامض لم يتحقق. وحتى مبادرة الملك فهد 1981، التي قدمت تصورًا متكاملاً لحل القضية، لم تجد الإجماع الفلسطيني ولا الدعم الدولي الكافي.
أوسلو وما بعدها: الأمل الذي انكسر
كان مؤتمر مدريد 1991، ثم اتفاق أوسلو 1993، أكبر نقطة تحول. اعترفت منظمة التحرير بإسرائيل، مقابل اعتراف إسرائيل بها ممثلاً للشعب الفلسطيني، على أساس انسحاب تدريجي وإقامة سلطة وطنية. بدا الأمر كأنه بداية النهاية للصراع، لكن الانقسام الداخلي ورفض بعض الفصائل مثل “حماس”، إضافة إلى اغتيال إسحاق رابين، أوقف المسار عند منتصف الطريق. سرعان ما انهار الاتفاق، لتندلع الانتفاضة الثانية عام 2000، وتتحول القضية مجددًا إلى ساحة دماء وصراع مسلح.
المبادرات العربية والدولية: من بيروت إلى أنابوليس
من مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت 2002، إلى خريطة الطريق عام 2003، وصولاً إلى مؤتمر أنابوليس 2007، تكررت الوعود والأوراق السياسية. حتى إيهود أولمرت عام 2008 عرض دولة فلسطينية على 94% من الضفة الغربية مع تبادل أراضٍ، لكن ضعف موقفه السياسي وانقسام الفلسطينيين أنهى الطرح قبل أن يولد.
الحاضر: غزة بين الدمار والفرصة الأخيرة
اليوم، وبعد عامين من حرب مدمرة حولت غزة إلى أنقاض، تطرح خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرصة جديدة. تقوم على وقف الحرب، انسحاب تدريجي، إطلاق الأسرى، إعادة الإعمار بتمويل دولي، إدارة انتقالية بإشراف دولي، وضمانات عربية ودولية لعدم عودة العنف. الخطة ليست مثالية، ولا تحقق جميع الحقوق الفلسطينية، لكنها – مقارنة بالماضي – قد تمثل نقطة انطلاق لمسار جديد إذا وُجدت إرادة فلسطينية موحدة ورؤية سياسية شاملة.
الدرس المستفاد: الفرص لا تنتظر المترددين
التاريخ يقول بوضوح: كل فرصة أُهدرت تحولت إلى مأساة أكبر، وكل انقسام فلسطيني كان ثمنه دمًا وأرضًا. اليوم، مع تصاعد الاستيطان الإسرائيلي وتغول التطرف الديني والسياسي، قد تكون هذه آخر الفرص لإنقاذ مشروع الدولة الفلسطينية. غزة، التي دفعت الثمن الأغلى، قد تصبح نقطة الانطلاق لمستقبل مختلف، إذا ما توافرت الوحدة والقرار الشجاع.
أما إذا استمر التردد والانقسام، فإن ما سيُكتب في صفحات التاريخ لن يكون سوى خسارة جديدة تُضاف إلى سجل طويل من الإخفاقات التي دفع ثمنها الشعب الفلسطيني عبر أجيال.



