وثائق وحكايات

رحل فى مثل هذا اليوم الشيخ طه الفشنى

كتب محمد عبد اللطيف بدوي

 

يعد الشيخ طه الفشني واحدًا من أبرز أعلام التلاوة والإنشاد الديني في مصر والعالم العربي، وقد ترك بصمة لا تُنسى في فن المقامات وفي أداء الابتهالات التي ما تزال تُردد حتى اليوم بنفس الجلال والعذوبة. وُلد الفشني عام 1900 في إحدى قرى محافظة بني سويف، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة أحاطتها تلاوات القرآن في المساجد والدروس، فكان صوت القرآن هو أول ما لامس وجدانه وشكّل وجدانه الروحي والموسيقي. التحق بالكُتّاب صغيرًا، فحفظ القرآن الكريم وجوده، وبدأت ملامح موهبته تظهر بوصفه صاحب صوت رقيق يحمل قدرة فريدة على الانتقال بين المقامات.

اتجه طه الفشني إلى القاهرة ليبدأ مسيرته الحقيقية، وهناك تعرّف الجمهور على جمال صوته في الاحتفالات الدينية بالإذاعة التي كانت في بداياتها، فوجد في صوته ذلك الصفاء الممزوج بالقوة، والرهف الذي يثير في النفس طمأنينة عميقة. أصبح خلال سنوات قليلة من أبرز قرّاء الإذاعة المصرية، وامتاز بطريقته الخاصة في التلاوة التي تجمع بين وضوح النطق وإحساس المعنى، وبين التحكم البديع في طبقات الصوت وقدرته على الارتقاء بالنبرة مع تصاعد الآية.

غير أن مكانة طه الفشني لم تتوقف عند حدود التلاوة، بل امتدت إلى عالم الإنشاد والابتهالات، حيث صار أحد فرسان هذا الفن. تميز بأسلوب يجمع بين الأصالة والابتكار، فلا يلتزم قالبًا واحدًا، بل يمزج المقامات الشرقية بمهارة تجعل الابتهال رحلة روحية تتصاعد من الهمس إلى العلو، فيشعر المستمع كأنه ينتقل من الأرض إلى السماء. ومن أشهر أعماله ابتهال “يا واسع المغفرة” و**“جلّ المنادي”** وغيرها من القطع التي صارت جزءًا من ذاكرة الإنشاد المصري.

عمل الفشني أيضًا رئيسًا لفرقة الإنشاد الديني بالإذاعة، وأسهم في تدريب أجيال جديدة من المبتهلين، فكان قدوة في الالتزام الفني والأخلاقي. عرف عنه تواضعه الشديد وحرصه على أن يظل صوته خادمًا للكلمة القرآنية، لا وسيلة للظهور أو التفاخر. وقد ظل حتى سنواته الأخيرة يؤدي التلاوة والابتهال بنفس الصفاء الذي عرفه الناس عنه في بداياته.

توفي الشيخ طه الفشني عام 1971، لكنه ترك إرثًا فنيًا وروحيًا ما زال حيًا في القلوب. فعندما يُذكر فن التلاوة والإنشاد في مصر، يبرز اسمه في المقدمة بوصفه صاحب مدرسة مميزة، استطاع أن يجمع بين جمال الصوت وصدق الإحساس وعمق الروحانية. لقد كان صوته جسرًا يصل القلب بالسماء، ورمزًا لفن أصيل يزداد بريقه كلما أعيد الاستماع إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى