حزب الله: من سردية «المقاومة» إلى وظيفة الاحتلال الإيراني… قراءة في سقوط المشروع وتحوّله الإقليمي

بقلم: المستشار الاول كرم خليل
لم يعد سلاح حزب الله قضية لبنانية داخلية، ولا خلافًا على “دور المقاومة”، بل تحوّل إلى العقدة المركزية في انهيار الدولة اللبنانية وانزلاق المشرق كله إلى حروب وكالة طويلة الأمد. الحزب الذي قُدِّم للبنانيين يومًا كقوة دفاع عن الجنوب، صار اليوم ميليشيا عقائدية عابرة للحدود، ترتبط بنيويًا بمشروع ولاية الفقيه في طهران، وتعمل كذراع تنفيذية له في المشرق العربي.
بعد حرب 2023–2025، لم يعد السؤال الجوهري: هل يتخلى الحزب عن سلاحه؟ بل:
هل يستطيع الاستمرار من دون هذا السلاح أصلاً؟
الجواب حاسم:
بقاء سلاح حزب الله يعني بقاءه، ونزع هذا السلاح يعني نهايته وتفكيك بنيته وتهشيم عقيدته وحرمان إيران من أهم أذرعها في الإقليم.
أولاً: هوية حزب الله – حزب، ميليشيا، وذراع خارجية لطهران
حزب الله ليس حزبًا لبنانيًا بالمعنى التقليدي، بل بنية هجينة ثلاثية الأبعاد:
1- حزب سياسي يشارك في البرلمان والحكومة بكتلة “الوفاء للمقاومة”، ويستخدم مؤسسات الدولة كغطاء شرعي.
2- جناح عسكري – أمني يوازي جيشًا متوسط الحجم، يمتلك ترسانة صاروخية وقدرات استخباراتية وتنظيمية مستقلة عن الدولة.
3-ذراع إقليمية لإيران، جزء عضوي من منظومة “محور المقاومة” التي تُدار من طهران وتتشابك مع ميليشيات في العراق واليمن وسوريا وغزة.
العقل المؤسِّس للحزب قائم على ولاية الفقيه؛ أي أن المرجع الأعلى دينيًا وسياسيًا هو المرشد في طهران، لا الدولة اللبنانية ولا مؤسساتها. بهذا المعنى، حزب الله ليس فاعلًا لبنانيًا ذا مرجعية وطنية، بل فاعل مذهبي–عقائدي ينتمي إلى مشروع إيراني عابر للحدود.
ثانياً: السلاح… من “شرعية المقاومة” إلى احتكار العنف
بنى الحزب شرعية سلاحه على ثلاث سرديات رئيسية:
مظلومية تاريخية للشيعة في لبنان، وعداء وجودي لإسرائيل والغرب، وقدسية “المقاومة المسلحة” باعتبارها ضمانة الوجود والكرامة.
لكن المسار العملي كشف تحوّلًا واضحًا:
• استُخدم السلاح داخليًا في أيار 2008 لاجتياح بيروت والجبل وفرض وقائع سياسية بالقوة.
• جرى توظيفه لجرّ لبنان إلى الحرب السورية، خلافًا لإرادة شريحة واسعة من اللبنانيين.
• فُتحت به جبهة مواجهة 2023–2025 مع إسرائيل دون قرار سيادي لبناني حقيقي.
هكذا تحوّل السلاح من أداة “مقاومة الاحتلال” إلى أداة احتكار للعنف الشرعي، وفرض فيتو دائم على الدولة ورئاساتها وحكوماتها وقرارها الخارجي. صار سلاح الحزب هو الحاكم الفعلي لمسار لبنان، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
ثالثاً: البنية الأمنية القاتلة – وحدة 121 نموذجًا
لفهم طبيعة حزب الله لا بد من التوقف عند جهازه الأمني الموازي.
وحدة 121 التي يقودها وفيق صفا شخصيًا تمثل الذراع الأخطر في منظومة الحزب، إذ تضم:
• قتلة محترفين متخصّصين في تفخيخ السيارات، التسميم، الخطف، التعذيب، وكسر الأضلاع مع تمويه الجرائم كـ“حوادث سير”.
• قسمًا إعلاميًا خاصًا يسبق كل عملية اغتيال أو خطف بحملات تخوين وتشويه سمعة للضحية المستهدفة.
هذه المنظومة جعلت من الحزب سلطة رعب تتجاوز مؤسسات الدولة والقضاء والأمن، وتحوّله إلى دولة أمنية داخل الدولة، تُخضع الخصوم وتكمّم الأصوات وتضبط البيئة الشيعية بالترهيب.
رابعاً: حرب 2023–2025 – سقوط صورة “القوة التي لا تُقهر”
كشف الانخراط في المواجهة بعد حرب غزة 2023، ثم توسّعها في 2024–2025، هشاشة البنية الصلبة للحزب:
• آلاف القتلى من المقاتلين وقادة الوحدات الخاصة، وعلى رأسهم عناصر “الرضوان”.
• إصابات بالآلاف في صفوف كوادره وبنيته البشرية المحدودة أساسًا داخل المجتمع الشيعي.
• ضربات نوعية طالت القادة الميدانيين والبنية القيادية، وصولًا إلى اغتيال شخصيات بحجم طباطبائي الذي أدّى دور “رئيس أركان فعلي” للحزب.
الأخطر كان الانفجار الاجتماعي في البيئة الحاضنة:
تدمير واسع في الجنوب والضاحية والبقاع، نزوح داخلي وخارجي بمئات الآلاف، وإرهاق اقتصادي ومعيشي غير مسبوق.
كل ذلك أطلق موجة تململ صامتة داخل البيئة الشيعية نفسها تتساءل: إلى متى تُدفع كلفة الصراع الإيراني–الإسرائيلي من لحم الجنوب اللبناني ودمائه؟
خامساً: سقوط نظام الأسد… الضربة الأخطر للعمود الفقري اللوجستي
مثّل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 تحوّلًا استراتيجيًا قاتلًا لمعادلة حزب الله:
• انهار خط الإمداد السوري الذي شكّل لعقود الشريان الحيوي للسلاح والذخيرة والتهريب.
• تفككت عقدة “سوريا–لبنان–إيران” التي كانت تسمح بتدفق السلاح والمقاتلين بحرية نسبية.
لكن الحزب لم يسلّم بالخسارة اللوجستية، فلجأ إلى مسار أكثر خطورة على لبنان:
1- استيعاب ضباط وخبراء نظام الأسد الهاربين
• نُقل عشرات ومئات الضباط السوريين إلى مناطق نفوذ الحزب في الضاحية والجنوب والبقاع.
• مُنحوا هويات وجوازات مزوّرة وتغطية أمنية على مدار الساعة.
• استُثمروا في بناء معامل صواريخ محلية ومعامل كبتاغون داخل لبنان، وفي إعادة تفعيل شبكات التهريب القديمة.
2-تحويل لبنان إلى “سوريا صغيرة” أمنية–مخدراتية
• نموذج دولة المخدرات والأجهزة المخابراتية الذي دمّر سوريا يتكرّر اليوم على الأرض اللبنانية.
• الحزب يستبدل خط الإمداد الخارجي بمنظومة إنتاج وتسليح وتمويل داخلي يقوم على: الكبتاغون، السوق السوداء، وشبكات غسل الأموال.
هكذا، ما يسمّيه نعيم قاسم “استعادة العافية” ليس سوى تكريس لبنان كمختبر لصواريخ إيران ومستودع لمخدراتها ومأوى لفلول أجهزة الأسد.
سادساً: البعد الإقليمي – لماذا يعني نزع السلاح نهاية الدور الإيراني في المشرق؟
من منظور استراتيجي، سلاح حزب الله هو الركن الأهم في البنية الإيرانية داخل المشرق:
• ورقة ضغط مباشرة على إسرائيل على الجبهة الشمالية.
• أداة نفوذ داخل لبنان وسوريا، وغطاء لتنسيق الميليشيات العراقية واليمنية والفصائل في غزة.
• ورقة مساومة في مفاوضات النووي والعقوبات.
لذلك، نزع هذا السلاح لا يعني “إصلاح خلل لبناني داخلي” فقط، بل يعني عمليًا إخراج إيران من موقع اللاعب المقرِّر في ملفات سوريا ولبنان وفلسطين، وتحويلها من قوّة ابتزاز إلى طرف مضغوط يبحث عن التسويات.
إيران تدرك ذلك، ولهذا لن تسمح بتجريد الحزب من سلاحه إلا ضمن صفقة كبرى تُعاد فيها هندسة توازنات الإقليم بالكامل.
سابعاً: هدف إسرائيل – تحييد القدرة لا إعدام الكيان
من يراقب نمط الاستهداف الإسرائيلي يدرك أن الهدف ليس القضاء الكامل على حزب الله كتنظيم، بل تدمير قدرته العسكرية إلى الحد الذي يفقد معه القدرة على فرض معادلة ردع حقيقية:
• التركيز على مخازن الصواريخ النوعية ومنظومات القيادة والسيطرة.
• ضرب وحدات النخبة والبنية القيادية الميدانية.
• الامتناع حتى الآن عن تصفية الخط الأول سياسيًا، والاكتفاء بالتعامل مع قيادة ضعيفة مترددة من نوع نعيم قاسم، الذي لا يمتلك لا الكاريزما ولا القدرة الذهنية لإعادة بناء مشروع الحزب.
إسرائيل تريد حزبًا مشلول السلاح، لا ضرورة إزالة اسمه من الساحة اللبنانية، لأن وجوده كجسم سياسي ضعيف أقل كلفة من تفجير فراغ شامل في البنية اللبنانية.
ثامناً: السيناريو الأخطر – نحو حرب لبنانية–إقليمية مفتوحة
إذا بقيت الدولة اللبنانية تتعامل مع سلاح حزب الله بوصفه “تفصيلًا مؤجَّلًا”، فإنها تجرّ نفسها إلى سيناريو كارثي على كل المستويات:
• توغّل إسرائيلي قد يصل إلى مشارف بيروت تحت عنوان “تجريد الجنوب من السلاح”.
• دخول ميليشيات عراقية ويمنية شيعية للدفاع عن الحزب، وتحويل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات مذهبية إقليمية.
• انهيار اقتصادي واجتماعي شامل، في بلد منهك أصلًا ومهجور ماليًا من معظم داعميه العرب والدوليين بسبب ارتهانه للحزب.
لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
1- استعادة الدولة لاحتكار العنف الشرعي وفرض قرار بنزع سلاح الحزب أو تحجيمه جذريًا، بدعم عربي–دولي واضح.
2- أو الاستسلام لمنطق الميليشيا وخوض حرب لن يخرج منها أحد منتصرًا، بل سينهار الكيان اللبناني نفسه.
تاسعاً: رؤيتي في قراءة سورية لمأزق لبنان وحزب الله
من موقعي في متابعة تحوّلات الإقليم بعد سقوط النظام في دمشق، تبدو أزمة حزب الله اليوم نسخة مضاعفة التعقيد من المأزق الذي عاشه النظام السوري قبل انهياره:
التشبّث الأعمى بالسلاح، تحويل الدولة إلى وظيفة أمنية، والارتهان لمشروع خارجي أكبر من قدرة الجغرافيا والبشر على احتماله.
فالحزب اليوم يقف عند النقطة ذاتها التي وقف عندها الأسد قبل السقوط:
إما البقاء ميليشيا فوق الدولة… أو السماح بقيام دولة لا مكان فيها لوجوده العسكري.
ورؤيتي واضحة وصريحة:
1- بقاء سلاح حزب الله يعني بقاء لبنان رهينة لمعادلات طهران–تل أبيب، لا لمعادلات مصالح اللبنانيين.
2- نزع سلاح الحزب يعني نهاية وظيفته الإقليمية، وانكشاف سجل طويل من الاغتيالات والتهريب والجرائم التي نفّذها تحت شعار المقاومة.
3- إيران لا تستطيع تعويض خسارة هذا الذراع بسهولة؛ فاليمن منهك وبعيد عن حدود إسرائيل، والعراق غارق في صراعاته الداخلية، وهناك مزاج شيعي عراقي متزايد للابتعاد عن المشروع الإيراني بعدما شاهد اللبنانيون والعراقيون على السواء كيف تم سحق حزب الله والحوثيين بضربات مركّزة خلال أيام.
وعليه، فإن الفرصة العربية قائمة لانتشال لبنان من فوضى الميليشيا، وبناء دولة قادرة على استعادة قرارها،
والفرصة اللبنانية أكبر: صياغة عقد وطني جديد لا يقوم على موازين الخوف، بل على حصرية السلاح بيد الدولة، وعودة لبنان إلى موقعه الطبيعي دولة سيادية لا منصة لصواريخ إيران ولا ملجأً لفلول أجهزة الأسد.
إن حزب الله اليوم ليس فقط معضلة لبنانية؛ بل هو مأزق إقليمي بامتياز، وأسيرٌ في الوقت نفسه لاستراتيجيات طهران وضغوط الداخل، لا يملك قرار الحرب الكاملة ولا قرار السلام، بل يتحرك في هامش ضيق ترسمه لحظة إقليمية متقلبة.
المرحلة الراهنة ليست مرحلة “إدارة أزمة”، بل لحظة إعادة إنتاج لبنان:
إمّا أن ينتصر منطق الدولة… أو يبتلع منطق الميليشيا ما تبقّى من الكيان اللبناني



