حكايات

قصة الاسبوع ” إيزابيل دوبوا ” ابنة باريس وأسرارها

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

ليست كل المدن مجرد أماكن نسكنها ، فبعضها يتحول مع الزمن إلى ذاكرة حية وإلى شاهد صامت على ما نخسره وما نكتشفه في طريق الحياة وفي قلب مدينة النور العاصمة الفرنسية ” باريس ” حيث تتجاور العراقة مع الحنين ، وتختلط ضوضاء الشوارع بهمسات الماضي ، تبدأ حكاية فتاة لم تكن تبحث عن المجد أو الشهرة بل عن معنى يخفف ثقل الفقد ويمنح للحياة ملامح جديدة

هذه قصة ” إيزابيل دوبوا ” فتاة وجدت نفسها في عمر مبكر أمام غياب أكبر من قدرتها على الفهم لكنها اختارت أن تواجه الفراغ بالكلمات ، وأن تحول الألم إلى حبر والذكريات إلى جسور تربطها بما تحب ، بين دفاتر صغيرة ، وأزقة قديمة ، وضفاف نهر يحمل أسرار المدينة ، لتبدأ رحلتها باكتشاف أن الفقد لا ينهي الحكايات بل يفتح أبوابا لحكايات أعمق ، إنها قصة عن الحزن حين يتحول إلى قوة وعن مدينة تصبح صديقة وعن روح شابة تعلمت أن تكتب طريقها بنفسها فصلا بعد فصل حتى يصبح الألم نفسه بداية للحياة من جديد

ولدت إيزابيل دوبوا في قلب باريس بين شوارعها القديمة التي حفظت خطوات طفولتها وضحكاتها الأولى ، ونشأت في بيت دافئ ملأه والداها بالكتب والموسيقى ورائحة القهوة الصباحية حتى بدا لها العالم صغيرا وآمنا ، لكن مع دخولها سنوات المراهقة تبدل كل شيء فقد رحل والداها في وقت متقارب تاركين خلفهما صمتا ثقيلا وقلبا مثقلا بالفقد ، ومنذ ذلك الحين أصبحت هي وأخيها الصغير ” جوليان ” يواجهان الحياة معا بصمت ناضج أكبر من عمرهما ،
فتحولت باريس بالنسبة لإيزابيل من مدينة جميلة إلى رفيقة وحيدة ، فكانت تمشي في أزقة ” مونمارتر ” تتأمل الواجهات القديمة وتسير طويلا على ضفاف نهر السين عند المساء ، حيث تنعكس الأضواء على الماء كأنها رسائل قادمة من الماضي ، وهناك وبين دفاترها الصغيرة وجدت ملاذها الوحيد ، لقد كانت تكتب عن والديها عن طفولتها عن الحزن الذي لا يغادرها وعن أمل خافت يحاول أن يولد بين الكلمات ، لقد أصبحت الكتابة بالنسبة لها تنفسا وجسرا يربطها بما فقدته وبما تحاول أن تصبحه

وفي صباحات هادئة كانت تجوب شوارع ” لو ماريه وسانت أونوريه ” تتوقف أمام مكتبات قديمة أو مقاه صغيرة وتشعر أن المدينة تتنفس معها وأن كل صوت وكل زاوية يحمل قصة تنتظر أن تكتب ، ولم تكن تحب أن يقترب أحد من عالمها الداخلي فقد كانت باريس وحدها القادرة على فهم صمتها ، وفي إحدى الأمسيات الممطرة وبينما كانت تجلس في مقهى قرب السين ، التقت بامرأة مسنة منحتها ورقة قديمة تركها والداها منذ سنوات ، حملت الورقة رسائل وصورا لم ترها من قبل تتحدث عن حبهما العميق لها وعن إيمانهما بأن باريس ستكون طريقها وأن الكتابة ستمنحها القوة لتعيش ، كان ذلك الاكتشاف لحظة تحول لها أدركت فيها أن الفقد لم يكن فراغا بل امتدادا خفيا يربط الماضي بالحاضر ، لقد قادتها تلك الرسائل إلى مكتبة قديمة كانت مقصد والديها ، حيث عثرت على صندوق مخفي يحتوي على مذكراتهما ومخطوطاتهما عن المدينة والحياة وأحلامهما لها ، فشعرت حينها بأنهما ما زالا يرشدانها وأن كل شارع في باريس يحمل أثرا منهما ، ومنذ ذلك اليوم تغير حبرها ، فلم تعد تكتب عن الحزن وحده بل عن القوة التي يولدها وعن الحب الذي يبقى رغم الغياب

ومع مرور الأشهر أصبحت أكثر انسجاما مع نفسها ومع المدينة ، فلم تعد باريس خلفية لذكرياتها بل شريكة في رحلتها ، فكانت تجلس على درجات أوبرا ” غارنييه ” تراقب المارة والعشاق والأطفال وتشعر أن كل الوجوه تحمل جزءا من قصتها ، ومن هناك بدأت كتابة روايتها الأولى ، رواية عن الفقد الذي يتحول إلى معنى وعن الذكريات التي تصبح نورا وعن مدينة تعلم القلوب كيف تنهض من جديد ، وشيئا فشيئا عاد الدفء إلى حياتها وحياة أخيها وأصبح المستقبل أقل غموضا ، وأدركت أن ما مرت به لم يكسرها بل صنع صوتها الخاص ، وأن الحبر الذي تملأ به دفاترها لم يعد مجرد كلمات بل حياة تعاد كتابتها

وهكذا لم تعد إيزابيل تلك الفتاة التي فقدت كل شيء ، بل أصبحت حافظة لأسرار باريس وراوية لقصصها ، حيث امتزجت روحها بروح المدينة واصبح كل صباح فيها بداية فصل جديد لعا وكل صفحة دليلا على حقيقة اكتشفتها أخيرا في : أن الحزن يمكن أن يتحول إلى قوة ، وأن الفقد يمكن أن يصبح طريقا ، وأن المدينة التي احتضنت ألمها قد أصبحت القلب الذي تنبض به قصتها إلى الأبد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى