في ذكرى رحيله.. الشيخ علي محمود “إمام المنشدين” ومعلم العمالقة من رفعت إلى أم كلثوم

بقلم: محمد عبد اللطيف بدوي
تحل اليوم، الحادي والعشرون من ديسمبر، ذكرى رحيل إمام المنشدين وفارس القراء الشيخ علي محمود (1878-1946)، الذي لم يكن مجرد صوت عذب مرّ في تاريخ التلاوة المصرية، بل كان مدرسة فنية وروحية متكاملة، جمعت بين وقار التلاوة وأسرار المقامات الموسيقية العربية، ليبقى أثره نابضاً في وجدان المكتبة الإذاعية والدينية حتى يومنا هذا.
وُلد الشيخ علي محمود في أواخر القرن التاسع عشر، ونشأ حافظاً لكتاب الله، ممتلكاً حنجرة ذهبية وقدرة فائقة على الانتقال بين المقامات بوعي يخدم قدسية النص القرآني. لم يكتفِ الشيخ علي بالريادة في التلاوة، بل كان “كشافاً” للمواهب وملهماً لأجيال؛ فهو أول من تنبأ بمستقبل القارئ العملاق الشيخ محمد رفعت وبكى لموهبته، وهو من احتضن في بطانته (فرقته) نوابغ أصبحوا أساطير فيما بعد، مثل الشيخ طه الفشني، والشيخ كامل يوسف البهتيمي، والشيخ محمد الفيومي.
ولم تقتصر عبقرية الشيخ علي محمود على مدرسة التلاوة والإنشاد فحسب، بل امتد أثره لعمالقة الموسيقى والغناء؛ حيث تعلم على يديه إمام الملحنين الشيخ زكريا أحمد، واستلهم من فنه الموسيقار محمد عبد الوهاب الكثير من أسرار النغم، وصولاً إلى كوكب الشرق أم كلثوم والمطربة أسمهان، مما يجعله بحق “المعلم الأول” لأقطاب القوة الناعمة المصرية في عصرها الذهبي.
رحل الشيخ علي محمود تاركاً وراءه إرثاً من الخشوع والانضباط الفني، متمسكاً بهيبة القرآن ومبتعداً عن بهرج الشهرة الزائف. واليوم، ونحن نحيي ذكراه، نستذكر صوتاً لم يخدم العقيدة فحسب، بل رفع من شأن التلاوة والإنشاد لتصبح رسالة روحية وفناً راقياً يجمع القلوب على الطمأنينة والإبداع.