
بقلم / هدير ياسر
لم يعد السؤال الذي يشغل المواطن: ماذا سأشتري؟ بل ماذا أستطيع أن أستغني عنه هذا الشهر؟
لم يعد إرتفاع الأسعار مجرد قضية اقتصادية تتصدر عناوين الأخبار، بل أصبح واقعًا يعيشه المواطن يوميًا في كل تفاصيل حياته. فمنذ اللحظة التي يغادر فيها منزله وحتى عودته إليه، يصطدم بزيادة في تكلفة المواصلات، وأسعار الغذاء، والإيجارات، والدواء، والخدمات الأساسية، حتى أصبحت أبسط متطلبات الحياة تمثل عبئًا متزايدًا على ملايين الأسر.
ويرجع خبراء الاقتصاد هذا الارتفاع إلى مجموعة من العوامل، أبرزها التضخم العالمي، وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل، إضافة إلى اضطراب سلاسل الإمداد خلال السنوات الماضية، فضلًا عن تأثير تغيرات أسعار صرف العملات على تكلفة السلع المستوردة، وهو ما إنعكس بصورة مباشرة على الأسواق المحلية وأسعار المنتجات.
لكن، وسط هذه المتغيرات، يبرز سؤال يفرض نفسه بقوة: إذا كانت الأسعار ترتفع بهذا الشكل، فلماذا لا ترتفع الأجور بالوتيرة نفسها؟
فالمشكلة اليوم لا تكمن في الغلاء وحده، وإنما في اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة. فالراتب الذي كان يكفي احتياجات الأسرة قبل سنوات، أصبح بالكاد يغطي الضروريات، بينما تتزايد الالتزامات الشهرية بصورة تفوق قدرة الكثيرين على التحمل.
ويؤكد عدد من المواطنين أن الجزء الأكبر من رواتبهم يذهب لتغطية الاحتياجات الأساسية فقط، مثل الغذاء، والمواصلات، والإيجار، والتعليم، والرعاية الصحية، دون أن يتبقى ما يسمح بالادخار أو مواجهة أي ظروف طارئة. وأصبح التخطيط لنهاية الشهر تحديًا حقيقيًا لدى كثير من الأسر، التي تجد نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها باستمرار.
ولم يعد الاستغناء عن الكماليات هو الحل، بل امتد الأمر لدى البعض إلى تأجيل العلاج، أو تقليل بعض الاحتياجات الأساسية، أو تأخير شراء مستلزمات ضرورية بسبب ضيق الإمكانيات. وفي المقابل، يواجه الشباب تحديات أكبر في تكاليف الزواج والسكن وتأسيس حياة مستقرة، في ظل ارتفاع مستمر للأسعار وثبات نسبي في مستويات الدخل.
ولا يبحث المواطن اليوم عن حياة مترفهة، وإنما عن الحد الأدنى من الاستقرار، وأن يكون دخلُه قادرًا على توفير احتياجاته الأساسية دون أن يعيش في قلق دائم من نهاية الشهر أو من أي مصروف مفاجئ قد يخل بتوازن ميزانيته.
ويطالب المواطنين بضرورة اتخاذ خطوات دعم بين مستويات الدخل و متطلبات الحياة اليومية. وأن تحقيق هذا التوازن يتطلب إجراءات تسهم في تعزيز القدرة الشرائية للمواطن، سواء من خلال مراجعة مستويات الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، أو عبر العمل على الحد من إرتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، بما يضمن حياة كريمة ومستقرة للأسر و يخفف من الأعباء الاقتصادية التي تواجهها. و أن يشعر المواطن بأن مجهوده و عمله يوفران له و لأسرته حياة مستقرة و آمنة.
وفي النهاية، يدرك الجميع أن التحديات الاقتصادية ليست سهلة، لكن يبقى الأمل في إيجاد حلول عملية تعيد التوازن بين الدخل وتكاليف الحياة،أن يعيشوا بكرامة و استقرار دون أن يتحول توفير أبسط متطلبات الحياة إلي معركة يومية. حتى يشعر المواطن بأن ثمرة عمله وجهده تكفي لتوفير حياة كريمة له ولأسرته، وأن الحصول على أبسط إحتياجات المعيشة لا يتحول إلى حرب تتكرر مع بداية كل شهر.