صدام حسين.. من الفقر في تكريت إلى قصر الرئاسة والإعدام

كتبت: ميادة قاسم
في 30 ديسمبر 2006، أُعدم صدام حسين، الرئيس العراقي السابق، شنقًا في بغداد، مُنهيًا صفحة من أكثر الصفحات إثارة وجدلاً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
يُعرف صدام، الذي حكم العراق من 1979 إلى 2003، بأنه الزعيم الراحل الذي بنى إمبراطورية قوة عسكرية واقتصادية، لكنه تورط في حروب مدمرة وجرائم ضد الإنسانية أسفرت عن مئات الآلاف من الضحايا.
هذا المقال يغطي سيرة صدام حسين الذاتية الكاملة من ميلاده في 28 أبريل 1937 حتى وفاته في مثل هذا اليوم الموافق 19 أكتوبر.

الميلاد والطفولة: جذور الفقر والقسوة
ولد صدام حسين عبد المجيد التكريتي في 28 أبريل 1937 في قرية العوجة الريفية الفقيرة قرب مدينة تكريت، شمال بغداد، في محافظة صلاح الدين بالعراق.
و ينتمي إلى عشيرة البيجات من قبيلة ألبو ناصر الحسينية، وفقًا لسجلات رسمية، رغم بعض الروايات التي تربط أصوله بقبيلة المراشدة.
توفي والده، حسين عبد المجيد، قبل ولادته بستة أشهر، وفقًا لروايات تاريخية، بينما توفي أخوه الأكبر في سن الـ13 بسبب السرطان، مما أدى إلى اكتئاب شديد لأمه صبحة طلفاح المسلط.
عاشت العائلة في بيوت طينية بدون كهرباء أو مياه صحية، حيث رعى صدام الغنم وعمل في الفلاحة منذ الصغر.
تزوجت أمه من إبراهيم الحسن، رجل قاسٍ عمل بوابًا لمدرسة في تكريت، الذي عُرف بضربه الشديد لصدام ومنعه من الدراسة، مما شكل طفولة مليئة بالحرمان والعنف. في سن الـ10، هرب صدام إلى بغداد للعيش مع خاله خير الله طلفاح، ضابط سابق وقومي عربي متأثر بجمال عبد الناصر، الذي أصبح معلمه السياسي الأول وزرع فيه كراهية الملكية والاستعمار البريطاني.
أكمل صدام الابتدائية في تكريت عام 1955، ثم التحق بمدرسة الكرخ الثانوية في بغداد، حيث انضم إلى “الفتوة”، منظمة شبيبة شبه عسكرية، وتأثر بالقومية العربية.
فشل في الالتحاق بأكاديمية بغداد العسكرية بسبب نقص الوزن، لكنه حصل لاحقًا على رتبة “مهيب ركن”. درس القانون في جامعة القاهرة من 1961 إلى 1963، وحصل على بكالوريوس في 1973 بعد إكمال الامتحانات في بغداد.

الصعود السياسي: من حزب البعث إلى نائب الرئيس
انضم صدام حسين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي في 1957، متأثرًا بميشيل عفلق وجمال عبد الناصر. في 1959، شارك في محاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم، مما أدى إلى إصابته بجروح وفراره إلى سوريا ثم مصر، حيث حُكم عليه بالإعدام غيابيًا عام 1960.
عاد بعد انقلاب البعث في 8 فبراير 1963، وعُين في لجنة الاستخبارات الحزبية لمطاردة الشيوعيين، لكنه سُجن بعد سقوط البعث في نوفمبر 1963.
هرب من السجن في 1966، وأصبح نائب أمين سر القيادة القطرية.في انقلاب 17 يوليو 1968، لعب دورًا حاسمًا في إسقاط عبد الرحمن عارف، وعُين نائب رئيس مجلس قيادة الثورة تحت أحمد حسن البكر.
أشرف على تأميم النفط في 1 يونيو 1972، ووقع معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفيتي، وبرامج التنمية مثل محو الأمية والتعليم المجاني، مما رفع مستوى المعيشة.
في 1975، وقع اتفاقية الجزائر مع إيران، مما أنهى دعم إيران للأكراد وأدى إلى هزيمتهم.
وتزوج صدام من ابنة خاله ساجدة خير الله طلفاح في 1963، وأنجب عدي (1964)، قصي (1966)، رغد (1968)، رنا (1969)، وحلا (1972).
في 1986، تزوج سميرة الشابندر، وربما أنجب عليًا (حوالي 1981).

فترة الحكم: التنمية والقمع (1979-2003)
استقال البكر في 16 يوليو 1979، وأصبح صدام رئيسًا، أمينًا قطريًا لحزب البعث، وقائدًا أعلى للقوات المسلحة. في 22 يوليو 1979، أعدم 22 من قادة الحزب بتهمة الخيانة في “قاعة الخلد”.
استخدم عائدات النفط لبناء بنية تحتية حديثة، مستشفيات، مدارس، وبرامج صحية حازت جائزة يونسكو. أنشأ نظامًا صحيًا متقدمًا في الشرق الأوسط، ودعم حقوق المرأة بإجازة أمومة مدفوعة وتعليم مجاني، مما رفع معدلات الإلمام بالقراءة إلى 20% في الثمانينيات.
بنى تماثيل ومدن باسمه، مثل مدينة صدام ومطار صدام، لكن حكمه كان ديكتاتوريًا، يعتمد على الأجهزة الأمنية مثل جهاز الاستخبارات العامة بقيادة أخيه غير الشقيق برزان إبراهيم التكريتي، مع قمع واسع أسفر عن 250,000-290,000 قتيل أو مفقود.
في حملة “الإيمان” عام 1993، أدخل عناصر شرعية وبنى مساجد، مضيفًا “الله أكبر” إلى العلم بخط يده.
الحروب: الطموح العسكري والكوارث
الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988):
ألغى اتفاقية الجزائر في 1980، وغزا إيران في 22 سبتمبر 1980، مستغلًا الثورة الإيرانية. استخدم أسلحة كيميائية، وانتهت الحرب في 20 أغسطس 1988 باتفاق وقف إطلاق النار، بعد خسائر بشرية تصل إلى مليون قتيل ومئات المليارات دولارًا.
حملة الأنفال والحرب الكردية: في 1986-1989، أطلق حملة إبادة جماعية ضد الأكراد بدعم إيران، قتلت 50,000-182,000، بما في ذلك قصف حلبجة بالغاز الكيميائي في 16 مارس 1988، مما أودى بحياة 3,200-5,000.
غزو الكويت (1990): غزا الكويت في 2 أغسطس 1990 بسبب خلافات نفطية، مما أدى إلى حرب الخليج (عاصفة الصحراء) في يناير 1991، حيث هُزم العراق أمام تحالف بقيادة الولايات المتحدة، مع حرق 727 بئر نفط كويتية مسببًا كارثة بيئية.
الانتفاضة الشعبانية (1991): بعد الهزيمة، قمع انتفاضات شيعية وكردية، مما أدى إلى 100,000-180,000 قتيل.
السقوط: الغزو الأمريكي والاعتقالفرض مجلس الأمن حصارًا اقتصاديًا في 1991، مما أضعف العراق. في 2003، غزت الولايات المتحدة العراق في 20 مارس بحجة أسلحة الدمار الشامل، وسقطت بغداد في 9 أبريل 2003.
قُتل ابناه عدي وقصي في 22 يوليو 2003.
واختبأ صدام حتى اعتُقل في 13 ديسمبر 2003 في عملية “الفجر الأحمر” قرب تكريت، مختبئًا في حفرة أرضية.

المحاكمة والوفاة: نهاية الديكتاتور
حُوكم صدام أمام المحكمة العراقية العليا في قضية الدجيل (1982)، حيث قُتل 148 شيعيًا بعد محاولة اغتيال.
حُكم عليه بالإعدام شنقًا في 5 نوفمبر 2006 بتهم جرائم ضد الإنسانية، وأقر الحكم في 26 ديسمبر.
نُفذ الإعدام فجر 30 ديسمبر 2006 في معسكر العدالة بالكاظمية، في أول أيام عيد الأضحى، رغم طلبه إعدامًا برصاص. آخر كلماته كانت تلاوة الشهادة، وسط إهانات من الحراس، كما في فيديو مسرب. دُفن في العوجة في 31 ديسمبر 2006، وهُدم قبره في 2015.



