وثائق وحكايات

” العراق واللعبة الكبرى ” حين تتحول بغداد الى ميزان قوى اقليمي

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

هناك حيث بلد بلاد الرافدين يقع ” العراق ” في موقع لايستهان به ، فلم يكن موقعه يوما تفصيلا جغرافيا عابرا في خرائط الشرق الأوسط ، فمنذ أن تشكلت حدوده الحديثة وهو يقف على تقاطع المصالح الكبرى بين ” الخليج وبلاد الشام بين تركيا وإيران ” بين العالم العربي وامتداداته الآسيوية ،  لكن موقعه اليوم يبدو أكثر حساسية من أي وقت مضى في ظل التوتر المستمر بين ” الولايات المتحدة وإيران ” حيث تتحول أرضه إلى مساحة شد وجذب وميدان رسائل متبادلة وحلبة اختبار لإرادات متصارعة

فالعراق لا يختصر في كونه ميدانا عسكريا ، لأنه في الحقيقة مساحة توازن دقيقة ، فوجود القوات الأمريكية في بعض قواعده ونفوذ الفصائل المسلحة القريبة من إيران في مؤسساته السياسية والأمنية ، جعلاه نقطة تماس مباشرة بين مشروعين إقليميين متنافسين وهو : مشروع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط ، ومشروع التمدد الإيراني عبر شبكة الحلفاء المحليين ، فالبنسبة لواشنطن يشكل العراق قاعدة استراتيجية لاحتواء إيران ومنعها من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة ، كما يمثل العراق جسرا لوجستيا واستخباراتيا يربط بين الخليج وسوريا ، ومن خلال دعم مؤسسات الدولة العراقية الرسمية تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز نموذج ” الدولة الوطنية ” في مواجهة قوى ما دون الدولة ، أما طهران فتنظر إلى العراق بوصفه العمق الحيوي الأول لأمنها القومي ، حيث الحدود الطويلة والروابط المذهبية والتشابكات الاقتصادية والمجال الحيوي الذي لا يمكن التفريط به ، فالعراق بالنسبة لإيران ليس مجرد جار بل خط دفاع متقدم ومتنفس اقتصادي في ظل العقوبات وساحة نفوذ سياسي يعوض عزلتها الدولية

ورغم أن العراق يدفع الكلفة الأكبر من عدم الاستقرار ذلك ، الا ان كلا الطرفين يجد في حالة ” اللاحرب واللاسلم ” مصلحة معينة ، حيث أن الولايات المتحدة تستفيد من بقاء التوتر دون انفجار شامل لأنه يبرر استمرار وجودها العسكري ويعزز تحالفاتها الإقليمية ، ومن الجهة الأخرى تستفيد إيران من إدارة صراع منخفض الحدة حيث تستطيع الضغط عبر حلفائها دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مكلفة ، ليتحول العراق بذلك إلى ساحة رسائل محسوبة من خلال ضربات محدودة وتصعيد إعلامي وتفاوض غير مباشر ، لتبقى الدولة العراقية في وضع هش عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة

لذلك الصراع ” الأمريكي / الإيراني ” لا يؤثر فقط على الأمن بل يعيد تشكيل الخريطة السياسية العراقية باستمرار ، في تعزيز نفوذ القوى المرتبطة بمحور إيران كلما تصاعد الخطاب المعادي للوجود الأمريكي مستندة إلى خطاب ” السيادة ” ورفض التدخل الخارجي وصعود تيارات وطنية تسعى للحياد مع تزايد شعور الشارع بأن البلاد تحول إلى ساحة صراع بالوكالة ، مع إضعاف الثقة بالمؤسسات نتيجة الانقسام الداخلي حول طبيعة العلاقة مع واشنطن وطهران ، ليتعمق مع كل جولة تصعيد الاستقطاب في الاصطفاف مع هذا المحور أو ذاك ، بينما يظل الخيار الثالث خيار ” الدولة المستقلة المتوازنة ” هو الأصعب تحقيقا ، حيث ثمة سيناريو آخر أكثر طموحا وهو : أن يستثمر العراق موقعه الحساس ليكون جسرا للحوار بدل أن يكون ساحة مواجهة ، فلقد أظهرت التجارب السابقة أن بغداد قادرة على لعب دور الوسيط الإقليمي عندما تتوفر إرادة سياسية داخلية جامعة ، غير أن هذا الدور يتطلب شرطا أساسيا في : إعادة بناء الدولة على أساس سيادة حقيقية وحصر السلاح بيدها وتغليب المصلحة الوطنية على الارتباطات العابرة للحدود

ان العراق اليوم ليس مجرد ضحية لصراع إقليمي بل هو ” عقدة توازن ” في معادلة معقدة ، فكلما اشتد التوتر بين واشنطن وطهران ازداد ثقل العراق في الحسابات الاستراتيجية للطرفين ، فالقيمة ” الجيوسياسية ” يمكن أن تكون نعمة أو نقمة احيانا ، فإما أن يبقى العراق ساحة تتصارع فوقها القوى الكبرى فيعاد تشكيل سياسته وفق إيقاع الخارج ، وإما أن يتحول إلى لاعب واع بموقعه ويستثمر حساسيته الجغرافية لبناء توازن داخلي ينهي زمن الوكالة ويفتح باب السيادة الفعلية ، ففي النهاية ليست الجغرافيا قدرا مطلقا ، لكن طريقة إدارة الجغرافيا بحد ذاتها تصنع قدرا مختلفا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى