” البوندسفير ” تحول هادئ في قلب أوروبا

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في لحظة التحول الكبرى ، لا تقاس القرارات بميزانياتها بل بدلالاتها ، فحين تعود دولة مثل ألمانيا إلى سؤال السلاح فإنها لا تعيد ترتيب جداول الإنفاق فحسب بل تفتح دفاتر التاريخ وتضع أوروبا بأكملها أمام مرآة قلقة وهي : مرآة الأمن ، الذاكرة ، والهوية ، إن ما تشهده برلين اليوم ليس مجرد تحديث عسكري ، بل إعادة تعريف لمكانها في عالم لم يعد يثق بالطمأنينة ولا يضمن السلام بالاقتصاد وحده
فلم تكن عودة ألمانيا إلى سؤال القوة العسكرية مجرد قرار ميزانياتي أو استجابة ظرفية لأزمة عابرة ، بل بدت أشبه بلحظة مراجعة تاريخية ، لحظة تعيد فيها الدولة تعريف علاقتها بذاتها وبماضيها وبمحيطها الأوروبي ، فبعد عقود طويلة من الحذر بل ومن الشك العميق في فكرة السلاح ذاتها ، اختارت ” برلين ” أن تعود إلى لغة القوة ، لا بوصفها غاية بل باعتبارها ضرورة فرضها عالم يتآكل فيه الإحساس بالأمان
إن إعادة تسليح ” البوندسفير ” ليست مجرد تحديث لمعدات أو أرقام تضاف إلى ميزانيات الدفاع بل هي تحول في الوعي السياسي الألماني وانكسار لسردية ما بعد الحرب التي قامت على ضبط النفس والانكفاء العسكري ، فحين خففت الحكومة القيود الدستورية على الديون ، لم تكن تغير معادلة مالية فحسب ، بل كانت تعلن ضمنيا أن منطق السلام القائم على الاقتصاد وحده لم يعد كافيا في عالم يعيد إنتاج الصراعات ، حيث تبدو أوروبا اليوم وكأنها تعود ببطء إلى مواجهة أسئلتها القديمة : من يحمي القارة ؟ ومن يملك حق تعريف أمنها ؟ ، فأن الحرب في أوكرانيا لم تفتح جبهة عسكرية فقط بل فتحت صدعا فكريا في التصور الأوروبي للأمن ، ودفعت دوله إلى إعادة التفكير في اعتمادها الطويل على المظلة الأمريكية ، وفي هشاشة توازناتها الداخلية
لكن هذه التحولات الكبرى لا تحدث من فراغ ، ولا تمر دون أن تربك الآخرين ففي باريس ، لا ينظر إلى صعود القوة العسكرية الألمانية بوصفه تهديدا مباشرا ، بل بوصفه اختلالا في توازن رمزي استقر طويلا على ان ” ألمانيا عقل أوروبا الاقتصادي ، وفرنسا ذراعها العسكرية والسياسية ” و هذا التوازن الغير مكتوب كان في جوهره نوعا من التفاهم التاريخي ، يوزع الأدوار بقدر ما يوزع النفوذ ،
واليوم ومع انبعاث ألمانيا العسكرية ، يطفو سؤال القلق الفرنسي على السطح وهو : ماذا يحدث حين تلتقي القوة الاقتصادية بالقوة العسكرية في يد واحدة ؟ وهل يمكن لأوروبا أن تحافظ على تعددية القرار إذا أصبح مركز الثقل يميل بثبات نحو برلين ؟ ، ان هذه المخاوف لا تنبع من عداء بل من خشية فقدان القدرة على التأثير في صياغة المستقبل الدفاعي للقارة ، ومع ذلك فإن فرنسا ليست أسيرة لهذا القلق ، فهي لا تعارض تقوية الدفاع الأوروبي ، بل تدرك ضرورته في زمن تتراجع فيه اليقينيات القديمة ، غير أنها تطمح إلى أن يكون هذا الدفاع مشروعا مشتركا لا إعادة ترتيب هرم السلطة داخل أوروبا ، فالمسألة في عمقها ليست من يمتلك السلاح الأكثر حداثة ، بل من يمتلك حق تعريف التهديد وصياغة الرد ورسم حدود القرار ، ورغم كل هذه الأسئلة تبقى العلاقة بين برلين وباريس قائمة على شراكة لا يمكن لأوروبا الاستغناء عنها ، الا أن هذه الشراكة نفسها باتت مطالبة بإعادة تعريف ذاتها في ضوء عالم متغير ، تتداخل فيه القوة بالذاكرة ، والسياسة بالتاريخ ، والأمن بالهوية
وهكذا، لا تبدو إعادة تسليح ألمانيا مجرد فصل جديد في سباق التسلح ، بل مرآة تعكس قلق أوروبا العميق بين ” قارة تبحث عن توازن جديد وبين الخوف والمسؤولية بالماضي الذي لم ينسى والمستقبل الذي لم يتشكل بعد “
