وثائق وحكايات

من ذاكرة الفكر / ميكافيللي ، سيرة عقل ولد من دهاليز السلطة

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في تاريخ الفكر الإنساني ، قلة هم أولئك الذين امتلكوا الجرأة على نزع الأقنعة عن السلطة وكشف جوهرها العاري بعيدا عن الزخرف الأخلاقي والمثاليات الحالمة ، ومن بين هؤلاء يبرز اسم ” نيكولو مكيافيللي ” بوصفه عقل إشكاليا  صادما ومقلقا لضمير عصره ، لأنه قال ما كان يفكر فيه همسا وكتبه بوضوح لا يعرف المجاملة ، فلم يكن مكيافيللي مديحا للشر ولا دعوة إلى القسوة ، بل كان قراءة عميقة لواقع الحكم كما هو ، لا كما ينبغي له أن يكون ، ومن هنا ظل اسمه حاضرا في الجدل ، بين من رآه فيلسوف السلطة ومن اتهمه بأنه منظر الخداع السياسي ، وبين هذين الرأيين تقف تجربته الفكرية شاهدة على ولادة السياسة الحديثة بوصفها علما للواقع والتجربة لا للأوهام والمثل

لقد ولد نيكولو مكيافيللي سنة 1469م في فلورنسا ، المدينة التي كانت آنذاك تاج عصر النهضة الإيطالية ، ومسرحا تتقاطع فيه عبقرية الفن مع دهاليز السياسة ، حيث تصاغ الأفكار تحت وقع الصراعات وتدار المصائر في الخفاء قبل العلن ، وفي هذه المدينة المشبعة بالتناقضات نشأ مكيافيللي في أسرة متوسطة الحال لا تملك ثراء المال ، لكنها تنتمي إلى عالم الثقافة والمعرفة ، فتلقى تعليما رفيعا في اللاتينية والأدب الكلاسيكي والتاريخ الروماني ، ذلك التاريخ الذي لم يكن عنده مجرد حكاية الماضي ، بل مفتاحا لفهم الحاضر واستبصار المستقبل ، فمنذ حداثة سنه انجذب عقله إلى روما القديمة ، وتأمل صعودها وانهيارها وتشرب دروس القوة والسلطة وتقلب الأيام ، حتى غدا هذا الشغف حجر الأساس الذي قامت عليه رؤيته الفكرية لاحقا ، وحين بلغ التاسعة والعشرين ولج دهاليز السياسة موظفا في حكومة ” فلورنسا الجمهورية ” ، فحمل مسؤوليات دبلوماسية وإدارية وسياسية ، وأُوفد في بعثات رسمية إلى فرنسا وروما وبلاطات ملوك وأمراء إيطاليا ، حيث هناك لم يكن شاهدا عابرا ، بل عقلا فاحصا يرقب الحكام في لحظات ضعفهم وقوتهم ، ويدون في صمت كيف تنتزع السلطة وكيف تضيع حين يساء استخدامها ، وهنا في هذه المرحلة كان لقاءه بالأمير ” تشيزاري بورجيا ” الذي كان له أثر بالغ في تشكيل وعيه السياسي ، فقد رأى فيه نموذج الحاكم الذي لا يعرف التردد ، ولا يتورع عن توظيف الخداع والقوة حين يرى فيهما ضمانا للاستقرار ، لم يكن ذلك إعجابا أخلاقيا ، بل قراءة واقعية صارمة لطبيعة الحكم ، ومنها تخلقت البذرة الأولى لكتابه الأشهر ” الأمير ” ، غير أن رياح السياسة لا تثبت على حال ففي عام 1512م سقطت الجمهورية ، وعادت أسرة ” ميديتشي ” إلى سدة الحكم ، فكان مكيافيللي من ضحايا هذا التحول ، حيث عزل من منصبه واتهم بالتآمر وذاق مرارة التعذيب ثم أُلقي به في منفى ريفي قاس ، وهناك اجتمعت عليه قسوة الفقر ووحشة النسيان ومرارة الإقصاء ، لكنه مع ذلك لم ينكسر ففي عزلته وتحت وطأة الخذلان انبرى يكتب ، وكأن القلم كان وطنه الأخير حتى خرج إلى العالم كتاب ” الأمير ” وابصر النور

لطالما كتب مكيافيللي بلا تزيين ولا مواربة ، متحررا من المثاليات الأخلاقية ، متسلحا بواقعية صادمة ، وأطلق أفكارا زلزلت الفكر السياسي من قبيل أن ” الغاية قد تبرر الوسيلة ، وأن الخوف أرسخ في الحكم من الحب ، وأن السياسة لا تدار بميزان الأخلاق وحدها ” ، فلم يكن داعية شر ، بل شاهدا صادقا يقول : هكذا تمارس السياسة في عالم البشر ، لا كما يتمنى الفلاسفة أن تكون
ولم يكن مكيافيللي حبيس الفكر السياسي فحسب ، بل كان مفكرا موسوعيا وأديبا بارعا ومؤرخا دقيقا ، حيث ألف ” المطارحات ” محللا فيها تجربة الجمهورية الرومانية ، ودون ” تاريخ فلورنسا ” ، وكتب مسرحيات ساخرة ورسائل أدبية ، وامتاز أسلوبه فيها بالوضوح والحدة والسخرية الذكية ، وعمق الفكرة دون تعقيد اللفظ ، ومع ذلك اصبح اسمه بعد وفاته مرادفا للخداع والقسوة والشر السياسي ظلما لفكره لا إنصافا له ، فمكيافيللي لم يخلق هذا الواقع القاسي بل كشف عنه الستار ، ولم يكن شيطان السياسة بل مرآتها الصادقة والصادمة إلى حد الإزعاج

وهاهو اليوم يدرس فكره في أعرق الجامعات ، ويعد أحد أعمدة الفكر السياسي الحديث ، وأحد أعظم عقول عصر النهضة ، لأنه كسر الأصنام المثالية وكتب بجرأة غير مسبوقة وأسس لعلم السياسة بوصفه علما للواقع لا للأماني ، جامعا بين الأدب والفكر والتجربة ، الى ان توفي سنة 1527م ، فقيرا لا يملك سوى إرثه الفكري ، وغير مدرك أن كلماته ستخلد اسمه في سجل التاريخ ويذكر له قوله الساخرا قبل موته : أفضل أن أذهب إلى الجحيم لأناقش السياسة مع الفلاسفة ، على أن أذهب إلى الجنة مع الصالحين الصامتين
إن سيرة مكيافيللي ليست مجرد قصة مفكر ، بل حكاية عقل سبق عصره ، ودفع ثمن صدقه فادحا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى