” التقارب الصيني الإسلامي ” شراكة تتشكل تحت ضغط الصراع الدولي

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في لحظة دولية يتصدع فيها النظام العالمي القديم وتعاد فيها صياغة التحالفات على أساس الضرورة لا القناعة ، تبرز ” الصين ” بوصفها فاعلا دوليا أعاد تموضعه خارج القوالب التقليدية ، فالدولة التي طالما التزمت مسافة محسوبة من الشرق الأوسط مكتفية بالحضور الاقتصادي وتجنب الانخراط السياسي ، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف تفرضه ضغوط الاحتواء وتصاعد الصراع مع الولايات المتحدة واتساع رقعة الاستقطاب الدولي ،
أن هذا التحول لم يدفع الصين إلى البحث عن نفوذ عسكري مباشر بل إلى بناء شبكة شراكات سياسية مع دول الشرق الأوسط وعلى رأسها الدول الإسلامية ، في خطوة تتجاوز منطق المصالح العابرة نحو تأسيس معادلة توازن جديدة
إنها شراكة ولدت من رحم التهديد المشترك لا من تقاطع الخطابات ، ما يجعلها أكثر حساسية أمام محاولات الاختراق وأشد حاجة إلى قراءة واعية لتداعياتها الإقليمية والدولية ، ومن هنا لا يمكن فهم التقارب ” الصيني / الإسلامي ” بوصفه حدثا دبلوماسيا عابرا ، بل كتحول جيوسياسي يحمل في طياته فرصا استراتيجية كبرى ، كما ينطوي في الوقت ذاته على مخاطر تفكيك ممنهج إن لم يدار بوعي سياسي يدرك أن المعركة الحقيقية لا تخاض دائما في ساحات المواجهة بل في هندسة التحالفات ذاتها
فلم تكن الصين يوما لاعبا سياسيا مباشرا في الشرق الأوسط ، إذ ظل حضورها لعقود محصورا في الإطار الاقتصادي والتجاري ، متجنبة بذلك الانخراط في تحالفات إقليمية معقدة لطالما رأت فيها مستنقعا للاستنزاف الجيوسياسي ، غير أن التحولات الدولية المتسارعة وعلى رأسها التصعيد الأمريكي المتزايد ضد بكين دفعت الصين إلى إعادة تعريف موقعها في النظام الدولي والسير عكس التيار الذي طالما التزمت به ، فاليوم لم تعد الصين تكتفي بدور الشريك الاقتصادي بل باتت تبني ملامح تحالف سياسي هادئ مع الدول الإسلامية التي كانت بدورها تتحفظ طويلا على أي تقارب استراتيجي معها ، خشية الانجرار إلى صراعات تمددية بلا عائد ، أن هذا التقارب لا يقوم على شعارات أيديولوجية أو وعود عاطفية بل على تقاطع مصالح واقعية فرضتها الضرورة الدولية ، وفي مواجهة محاولات الاحتواء وكسر النفوذ اختارت الصين اليوم أن تؤسس شبكة شراكات متعددة الأبعاد ” سياسية ، اقتصادية ، تجارية ” وحتى أمنية غير معلنة ، لتخلق بذلك محورا ” شرق آسيويا / شرق أوسطيا ” يصعب تجاهله أو اختراقه ، فهذا التحالف ليس تحصيل حاصل بل نتيجة تراكمات سياسية كشفت أن العالم يتجه نحو توازنات جديدة لم تعد فيها الهيمنة الأحادية قادرة على الاستمرار
أن الصين اليوم لا تقدم نفسها كقوة وصاية بل كشريك ” منصف ” وفق خطابها السياسي ، وهو ما جعل العديد من دول المنطقة ترى فيها بديلا عقلانيا في زمن الاحتدام الدولي وتآكل الثقة بالتحالفات التقليدية ، ولذلك فإن هذا التقارب لا يعكس فقط صعود الصين بل يكشف أيضا عن فراغ استراتيجي في الشرق الأوسط الذي تبحث دوله عن من يملؤه دون كلفة وجودية ، فالعبرة السياسية في هذا المشهد لا تكمن في الصين وحدها بل في إدراك أن عالم ما بعد الاستقطاب الحاد يبنى على المصالح المتبادلة لا على الولاءات الثابتة ، وأن من يغفل عن قراءة هذه التحولات سيجد نفسه خارج مسار التاريخ الجديد
ومن يومنا هذا فأن أي اختراق محتمل للعلاقة بين الصين والدول الإسلامية لن يكون حادثا جانبيا أو سوء تفاهم دبلوماسي ، بل مشروعا سياسيا مقصودا تقوده قوى ترى في هذا التقارب تهديدا مباشرا لتوازنات الهيمنة التي اعتادت إدارتها لعقود ، فالتشويش الإعلامي والضغوط الاقتصادية وإعادة إحياء الخلافات البينية ليست أدوات عشوائية بل آليات مجربة لتفكيك التحالفات قبل أن تبلغ مرحلة النضج الاستراتيجي ، فإن الرهان على إضعاف هذه الشراكة يقوم على كسر الثقة لا كسر المصالح ، لأن المصالح يمكن إعادة ترتيبها أما الثقة فإذا اهتزت انهار معها البناء بأكمله ، وعليه فإن أي تراخ سياسي أو سوء تقدير لحجم الاستهداف الخارجي سيحول هذا التقارب من فرصة تاريخية إلى ثغرة جيوسياسية تستغل ضد الطرفين معا ، فمن هنا لم يعد الحفاظ على العلاقة ” الصينية / الإسلامية ” خيارا دبلوماسيا إضافيا بل ضرورة استراتيجية تفرضها لحظة دولية شديدة القسوة ، فإما أن يدار هذا التحالف بوعي أمني وسياسي صارم يحصنه من الاختراق ، أو يترك عرضة للتفكيك التدريجي ليعاد رسم مشهد الشرق الأوسط مرة أخرى وفق إرادات لا تمثل مصالحه ولا مستقبل شعوبه .



