” الحرية المباعة ” السويد بين الطمع السياسي والأبتزاز الرمزي

كتبت / دعاء هزاع الجابري
السويد تلك البقعة الباردة التي تلمع على خارطة العالم بسمعتها كملاذ للحرية والإنسانية تكشف اليوم عن وجه آخر ، وجه أكثر براغماتية وقسوة مما يجرؤ البعض على الاعتراف به ، فالهجرة التي استقبلتها والمهاجرون الذين زرعوا الحياة في مدنها بعد أن كانت صامتة ” كقبر ” لم تكن هدية مجانية بل كانت صفقة دقيقة وهي ” شيء مقابل شيء ” وفرصة ذهبية لتوسيع نفوذها والحصول على مكاسب سياسية واقتصادية على حساب من استضافتهم ،
فالدين وخاصة الإسلام أصبح ورقة ضغط مرنة وأداة لإرسال رسائل مزدوجة فمن جهة إعلان للحرية وحقوق الإنسان ومن جهة أخرى اختبار ولاء الشعوب ، وتذكير العالم بأن السويد تعرف كيف تحول المبادئ إلى أداة ابتزاز ، فلا علاقة لما يطرح للعلن ويصدر للجميع بالخطر الحقيقي على الشعب السويدي من الأسلام ولا بمضمون الدين ذاته ، فكل شيء هنا مسرحية ذكية لإظهار القوة السياسية والاقتصادية ولقطف نصيب من الدعم الدولي دون عناء على حساب الشعوب والدول التي قدمت لها الفرص
أن تصريحات احدى النائبات السويديات مؤخرا بأن ” لا إسلام في السويد إلا بشروطنا ” هي ليست مجرد كلمات بل إعلان صارخ بان الحرية ليست حقا مطلقا بل امتياز يمنح من طرف من يعرف كيف يستفيد من الدين والشعوب لتحقيق مصالحه ، فكل شرط وكل تقييد وكل تحذير هو جزء من لعبة محسوبة بدقة هدفها الحفاظ على مكانة السويد بين الكبار ، حتى لو تطلب الأمر استخدام الشعوب كأدوات والدين كوسيلة للضغط النفسي والسياسي ، فالسويد لم تعد مجرد دولة تبحث عن رفاهية مجتمعها بل أصبحت لاعبا يركب موجة المصالح الكبرى ومستعدا للتضحية بالإنسانية والدين في سبيل ضمان موقع لها في المسرح الدولي ، فكل خطوة حاسمة وكل تصريح استفزازي هو بمثابة مراوغة محسوبة حول دولة تعرف أن الطمع هو الطريق الأقصر للحصول على ما تريد وأن الشعوب والدول الأخرى مجرد أوراق يمكن اللعب بها ، وحين تنتهي الفائدة تترك في الخلف كأنها لم تكن
ففي النهاية ما تعلنه السويد عن الحرية والديمقراطية هو مجرد قناع ، بينما وجهها الحقيقي هو وجه دولة تحول المبادئ إلى أدوات والدين إلى ورقة والشعوب إلى مجرد وسيلة لضمان مصالحها ، دون أن يهمها ما إذا كانت تخدش مشاعر الآخرين أو تضعف حقوقهم ، لأن الحرية لديها ليست قيمة بل سلعة تباع وتشترى وفق مصالح اللعبة الكبرى ، وأي خطأ في قراءة هذه اللعبة قد يكون مكلفا للجميع ، لكنها وبلا شك تدرك تماما كيف تلعب على الحافة لتضمن البقاء فوق الطاولة وليس تحتها ، فالسويد اليوم تعلم أن السياسة ليست مجرد إدارة لشؤون الداخل بل لعبة عالمية لا مكان فيها للمبادئ الإنسانية الصافية ” فالحرية ، الحقوق ، الدين ، الشعوب ” جميعها أدوات يمكن تحريكها حسب المصلحة ، وكل كلمة تقال وكل شرط يفرض هو خطوة محسوبة نحو ضمان مصالحها على الساحة الدولية
فجميعنا يعلم بأن الطموح السياسي لا يعرف الرحمة والقوة الكبرى لا تمنح إلا لمن يعرف كيف يحول الآخرين إلى وسيلة والبقاء هو الهدف الأعلى ، ولهكذا تصبح الشعوب والدول التي تراهن على المبادئ وحدها ضحايا هذه المراوغة ، بينما السويد بعقلها الحسابي وطموحها المتعطش تستفيد من كل فرصة ومستعدة للتخلي عن أي وعود أو قيم إذا اقتضت المصلحة ، فالحقيقة المطلقة والمؤسفة أن السياسة لا تعرف ضمانا دائما وأن من يظن أن الدين أو الإنسانية أو الحقوق يمكن أن تقف في طريق الطمع فهو مخطئ ، فالدولة التي تعرف كيف تلعب على ” الحافة ” هي من تحدد قواعد اللعبة وتوزع المكاسب والخسائر وفق حساباتها ، ففي عالم تسوده المصالح الكبرى لا تكن الحرية قيمة مطلقة بل سلعة قابلة للتفاوض ، حيث المبدأ يمكن استغلاله والدين أداة والشعوب مجرد ورقة يلعب بها على رقعة السياسة العالمية ، والدرس الوحيد الذي يجب أن يستخلص من كل ذلك هو أن الطمع السياسي إذا أدار بحكمة يحقق المكاسب وإذا أدار بغباء يتحول إلى سقوط مدو ، فالسويد اليوم تمشي على الحافة ، لأنها تدرك تماما أن البقاء فوق الطاولة هو الهدف مهما كانت الوسائل قاسية ومهما كانت الأثمان باهظة .



