وثائق وحكايات

” بين راية ترفع وروح تنسى ” الانتماء في حضرة الوطن المجهول

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

أن الوطن ليس مجرد مساحة على الخريطة ، ولا اسما يكتب على الأوراق بل هو ذاك النبض الخفي الذي يربطنا بالأرض وبالزمان وبأجيال مرت قبلنا وأخرى ستأتي بعدنا ، هو البيت الأول الذي نحمله في قلوبنا والذاكرة المشتركة التي تشكل هويتنا والخيط الذي يربط بين الفرد والمجتمع ، وفي زمن اصبحت فيه المصالح الفردية تزين الخطاب الوطني وتحوله إلى شعارات فارغة اصبح من الضروري التوقف والتأمل والتساؤل : ماذا يعني أن نكون وطنيين ؟ وماذا نفقد حين ينفلت هذا الحس من أرواحنا ؟ ، ومن هنا تبدأ الرحلة في جوهر المعنى الحقيقي للوطنية ، بين ما كانت عليه وما أصبحت عليه ، وماذا يعني غيابها بنا وما تأثيرها العميق على حاضرنا ومستقبلنا في مرحلة الغياب

فليست الوطنية كلمة تقال ، ولا نشيدا يتلى في الصباحات الرسمية بل هي نبض خفي يسكن في أعماق الإنسان كالماء في جذور الشجر ، لا يرى لكنه يمنح الحياة معناها ، هي تولد معنا قبل أن نتعلم أسماء الأشياء ونحملها في أرواحنا قبل أن نرفعها على الأكتاف ، هي ذاكرة الأرض حين تنطق فينا وصوت الأجداد حين يعبر دمنا ووعد صامت نقطعه للوطن دون توقيع

لقد كان الوطن يوما فكرة دافئة تشبه البيت الأول ، لا نغادره دون أن نلتفت إلى بابه ولا نذكره دون أن يضيق القلب شوقا ، كانت الوطنية فعلا يشبه الصلاة لا يعلن عنه ولا يساوم عليه ، فلم تكن تقاس بما نأخذه من الوطن بل بما نستعد أن نخسره لأجله ، فالحس الوطني آنذاك كان درعا غير مرئي يحمي الجماعة من التفتت ويمنح الفرد معنى يتجاوز ذاته الضيقة ، غير أن الرياح تغيرت وبدأ هذا الحس يتآكل بصمت كما تتآكل الجبال تحت المطر الطويل ، لقد تسللت المصالح إلى قلب الوطنية فشوهت ملامحها وبدلت جوهرها حتى اصبحت الراية ترفع لا حبا بل حسابا ، وتطوى لا خجلا بل مللا ، فأصبح الوطن طاولة مفاوضات لا بيتا وخريطة استثمار لا ذاكرة دم ، اصبح يستدعى حين يفيد ويهمل حين يكلف ، وكأنه شيء فائض عن الحاجة

ولذلك حين يفقد الإنسان حسه الوطني يفقد شيئا من إنسانيته ، فيصبح بلا جذور يمشي فوق الأرض دون أن يسمع نبضها ويتكلم باسم الوطن دون أن يشعر بثقله ، وتتحول المدن إلى مساحات باردة والتاريخ إلى حمل ثقيل واللغة إلى مجرد أداة ، وعندها لا يعود الانتماء رابطة بل عبئا ولا يصبح الوطن قدرا مشتركا بل محطة مؤقتة في رحلة النجاة الفردية ، أما الأيام المقبلة فإنها لا ترحم الفراغ ، فحين ينسحب الحس الوطني تتقدم البدائل الزائفة من : ولاءات مؤقتة وهويات هشة وشعارات بلا روح ، لتنشأ بذلك أجيال تعرف كيف تهتف لكنها لا تعرف لماذا تهتف ، تحفظ الأسماء وتنسى المعاني ، وترفع الرموز دون أن تسكنها القيم ، ومن هذا الفراغ يصبح الوطن سهل الاختراق لأن ما لا يحمى بالحب لا تحميه الجدران

أن الوطنية حين تفرغ من روحها لا تختفي فجأة بل تذبل كما تذبل الأشجار المهملة ، تظل واقفة لكنها بلا ظل وبلا ثمر ، وحين نفيق على هذا الذبول نكتشف أن الخسارة لم تكن في الأرض وحدها بل في الإنسان الذي لم يعد يرى في وطنه أكثر من فرصة عابرة ، ولهذا فإن استعادة الحس الوطني ليس حنينا إلى الماضي بل إنقاذا للمستقبل في محاولة لإعادة المعنى إلى الكلمات والدفء إلى العلاقة بين الإنسان وأرضه ، هو المعنى الحقيقي بأن نعيد للوطن مكانته كبيت أخير لا يباع وكذاكرة لا ترهن وكقدر لا يستبدل ، فالوطن في النهاية ليس ما نملكه بل ما نكونه

ففي نهاية المطاف لا يقاس الوطن بما نرفعه من رايات بل بما نحمله له في الضمير حين تغيب الأضواء وتخفت الأصوات ، فالوطنية الحقة لا تعلن نفسها ولا تطلب تصفيقا لأنها تعيش في الفعل الصامت وفي الوفاء اليومي الذي لا يراه أحد ، ونحن حين نفقد هذا الحس لا نفقد الوطن دفعة واحدة بل نفقد الطريق إليه ، فنجد انفسنا نغترب عنه ونحن فيه ونتحدث باسمه دون أن نصغي لندائه ، لذلك فإن إنقاذ الوطنية اليوم ليس استعادة لماض مضى بل مسؤولية تجاه غد لم يولد بعد ، غد لن يحفظه الخطاب بل تحميه القيم ، ولن يصونه الادعاء بل الصدق ، فالوطن في جوهره الأخير ليس أرضا نسكنها بل أمانة نسكنها فينا ، فإن حفظناها حفظتنا وإن فرطنا بها تاهت بنا الأيام حيث لا راية تهتدي ولا معنى يعود .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com