الناس اللي بتختفي فجأة من حياتك


بقلم – شريف غالب
الناس اللي بتختفي فجأة من حياتك ما بتمشيش وهي بتقفل الباب وراها، هي بتمشي بهدوء يخليك تشك إنك موهوم بوجودها من الأساس. مفيش خناقة أخيرة، ولا وداع واضح، ولا سبب يتقال بصراحة، بس في فراغ بيظهر مرة واحدة، كأن في شخص كان بيشغل حتة في يومك واتشال منها فجأة من غير أثر واضح. الغياب ده ما بيوجعش عشان الخسارة نفسها، بيوجع عشان الأسئلة اللي بيسيبها وراه، لأن العقل ما بيعرفش يتعامل مع النهايات المفتوحة، والقلب ما بيعرفش يقفل صفحة من غير ما يفهم ليه اتقفلت.
الاختفاء المفاجئ دايمًا بيخلّيك تراجع نفسك قبل ما تراجع الشخص اللي مشي، تسأل: أنا قلت إيه غلط؟ قصّرت في إيه؟ كنت تقيل؟ كنت زيادة عن اللزوم؟ وبدل ما تحزن على اللي راح، بتحاكم نفسك على وجودك، وده أقسى نوع من الفقد، إنك تخسر شخص ومعاه ثقتك في نفسك. الناس فاكرة إن اللي يمشي فجأة شخص قاسي، لكن الحقيقة أحيانًا أعقد من كده؛ في ناس بتمشي لأنها ما تعرفش تواجه، وفي ناس بتمشي لأنها مش قادرة تشرح نفسها، وفي ناس بتمشي لأنها خلصت دورها ومش عايزة تعترف بده. الاختفاء مش دايمًا شر، لكنه دايمًا موجع، لأنه بيحرمك من حقك في الفهم.
المشكلة إن اللي بيختفي ما بياخدش نفسه بس، بياخد معاه نسخة منك كانت موجودة معاه، نكت، تفاصيل، عادات صغيرة، جمل كنت بتقولها من غير تفكير، إحساس بالأمان كان مرتبط بوجوده. وفجأة تلاقي نفسك بتعيد ترتيب يومك من غير ما تاخد بالك، بتبص على الموبايل أقل، بتسكت في حتت كنت بتتكلم فيها، كأن الحياة بتتعلم تمشي من غيره، بس بتعرج شوية في الأول.
والغريب إننا بنفتكر الغايب في تفاصيل مالهاش قيمة كبيرة، أغنية، مكان، وقت معيّن في اليوم، مش اللحظات الكبيرة، لكن الحاجات الصغيرة اللي كانت بتيجي تلقائي. وده لأن الاختفاء المفاجئ ما بيمسّش القلب بس، بيمسّ الروتين، يسيب فراغ في المساحات اللي ما كناش واخدين بالنا إنها معمولة على مقاس شخص واحد.
مع الوقت، بتحاول تبرّر الغياب عشان تعرف تكمل، تقول يمكن مشغول، يمكن الظروف، يمكن أنا فهمت غلط، لأن الحقيقة أبسط وأصعب ،هو اختار يمشي من غير ما يشرح. والقبول بالجملة دي محتاج شجاعة، لأن معناها إن مش كل الناس هتقف تقاتل عشانك، وإن مش كل اللي دخل حياتك ناوي يكمّل. بس الغريب إن في القبول ده نوع من التحرّر، لأنك لما تبطل تلاحق السبب، بتبتدي تلاحق نفسك تاني.
الناس اللي بتختفي فجأة بتعلّمك درس قاسي بس مهم: إن الوجود الحقيقي مش في الكلام الكتير ولا الوعود، الوجود الحقيقي في الاستمرار. وبتعلّمك كمان إنك ما تترجاش تفسير من شخص اختار الصمت، لأن الصمت نفسه كان الإجابة. يمكن ما نقدرش نمنع الناس من الاختفاء، لكن نقدر نختار ما نختفيش عن نفسنا بعدها، نكمّل من غير ما نقفل قلبنا، ونفتكر إن اللي يفضل، حتى لو قليل، أغلى بكتير من اللي كان حاضر بالكلام وغايب بالفعل.
وفي الآخر، الناس اللي بتختفي فجأة مش بتسيب مكانها فاضي، هي بتسيب أثر، والأثر ده يا إمّا يعلّمك تخاف، يا إمّا يعلّمك تفهم، والفرق بينهم إنك تختار إن الغياب ما يكسرش قدرتك على الارتباط، بل يخلّيك أصدق في اختياراتك، وأهدى في وداعك، وأقوى في إنك تكمّل… حتى من غير إجابات.