قصة الاسبوع ” ليان ” حكاية طفلة على ضفاف إسطنبول

كتبت / دعاء هزاع الجابري
هناك وعلى ضفاف ” اسطنبول ” تلك المدينة التركية الملهمة بكل ماتحمله من تفاصيل ، كانت ” ليان ” طفلة صغيرة تعيش في تلك المدينة ، مدينة تجمع بين الهدوء والضجيج لكنها بالنسبة لها كانت بيتا دافئا يضم عالمها الخاص بأكمله ، لقد كانت الابنة الوحيدة لوالديها ، لذلك كانت محور حياتهما ومصدر فرحهما في ذلك البيت الصغير ، وهناك عرفت ليان معنى الحب كما يراه الأطفال حيث العناق في الصباح والضحكات في المساء والأصوات المألوفة التي تجعلها تشعر بالأمان ما دام والداها بقربها
كانت تظن أن هذا الدفء سيبقى دائما ، وأن الحياة ستستمر بهدوء يشبه هدوء ” البوسفور ” في المساء ، لكنها لم تكن تعلم أن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة ، وأن القلوب مهما امتلأت حبا قد تمر أحيانا بلحظات صعبة لا يفهمها قلب صغير ، فلم تعرف ليان متى بدأ كل شيء يتغير ، ففي ذاكرتها الأولى كان البيت مليئا بالدفء والطمأنينة وكانت تحب والدها حين يعود متعبا لكنه يبتسم لها ويحملها ويحدثها عن الغد ، وكانت تحب والدتها ايظا التي تضمها بهدوء وتمشط لها شعرها بحب وتخبرها أن كل شيء سيكون بخير حتى عندما لا يبدو كذلك
لكن البيت لم يكن دائم كما تتمنى ، في بعض الليالي كانت الأبواب تغلق بقوة وترتفع الأصوات ويتغير وجه والدها ، وتختفي ابتسامة أمها ويختفي معها شعورها بالأمان ، كانت تقف في زاوية الغرفة تراقب بصمت وتحاول أن تفهم ، كيف يمكن لشخصين يحبانها أن يؤذيا بعضهما؟ كيف يمكن للبيت أن يكون مكانا للضحك في النهار والخوف في الليل؟ ، لقد.كانت الحيرة تكبر داخلها دوما مع تلك الاسئلة المرافقة لها ، عندما ترى دموع والدتها تشعر أن قلبها معها ، وعندما ترى والدها صامتا وحزينا تشعر نحوه بالشفقة والحب في الوقت نفسه ، لم تكن تريد أن تختار بينهما بل كانت تتمنى فقط أن يعود كل شيء كما كان ،
كانت تريد أن تعود الأحاديث الهادئة ، وأن يصبح المساء وقتا للحكايات بدل الصراخ ، وأن يجلسوا معا دون خوف من خلاف مفاجئ
فبعد كل خلاف كانت تقترب من أمها بصمت ، تجلس بجانبها وتمسك يدها الصغيرة ، لم تكن تعرف ماذا تقول لكن لمستها كانت تعني شيئا واحدا وهو : أنا هنا ، لكنني خائفة ، ومع مرور السنوات كبرت ليان ، لم تكبر في العمر فقط بل في قدرتها على الصمت وفهم ما يحدث حولها ، فتعلمت أن تميز التوتر قبل أن يظهر وأن تقرأ ملامح الوجوه قبل أن تتغير ، كانت تبدو قوية أمام الآخرين لكنها في داخلها كانت تحمل سؤالا لم تجد له إجابة : لماذا يدفع الأطفال ثمن خلافات لا علاقة لهم بها؟ ولماذا يتحول الحب أحيانا إلى مصدر خوف؟ ولماذا لا يكون الحب وحده كافيا ليحمي البيت من الانكسار؟
لقد كانت ليان قصة قلب صغير تعلم أن يحب رغم الخوف ، وأن يتمسك بالأمل رغم الصعوبات ، وأن ينتظر يوما يعود فيه البيت مكانا للطمأنينة ، ومع مرور الوقت لم تعد ليان تلك الطفلة التي تقف خائفة في زاوية الغرفة حيث أصبحت أكثر هدوءا ونضجا ، لقد أدركت أن البيوت ليست مثالية دائما ، وأن الحب لا يمنع الخلاف لكنه يترك أثرا يمكن التمسك به ، وفهمت أن ما كانت تبحث عنه طوال سنواتها لم يكن بيتا بلا مشاكل بل شعورا بالأمان ، وأن يبقى الحب موجودا حتى في الأوقات الصعبة
وفي إحدى الأمسيات جلست قرب نافذة منزلها المطل على أضواء إسطنبول ، تراقب المدينة التي كبرت معها ، كان ضجيج الحياة في الخارج مستمرا لكنها شعرت لأول مرة بهدوء حقيقي داخلها ، أدركت أن الأطفال الذين يكبرون وسط الصعوبات لا يصبحون دائما أشخاصا مكسورين ، بل إن بعضهم يتعلم كيف يصنع السلام داخل نفسه وكيف يبني في قلبه مكانا آمنا لا تصل إليه الأصوات المرتفعة ، وابتسمت بهدوء وقالت لنفسها : لم أستطع أن أغير الماضي ، لكنني أستطيع أن أصنع مستقبل أكثر هدوءا ، وهكذا انتهت حكاية الطفلة التي خافت كثيرا ، لتبدأ حكاية إنسانة تعلمت أن تجعل من الحب ” قوة ” لا ذكرى مؤلمة .



